المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٦
حتّى تدرك به الغذاء من بعد و لم يخلق لك ميل في الطبع و شوق إليه و شهوة له.
تستحثّك على الحركة لكان البصر معطّلا فكم من مريض يرى الطعام و هو أنفع الأشياء له و قد سقطت شهوته فلا يتناوله فيبقى البصر و الإدراك معطّلا في حقّه فاضطررت إلى أن يكون لك ميل إلى ما يوافقك تسمّى شهوة و نفرة عمّا يخالفك تسمّى كراهة لتطلب بالشهوة و تهرب بالكراهة فخلق اللّه فيك شهوة الطعام و سلّطها عليك و وكّلها بك كالمتقاضي الّذي يضطرّك إلى التناول حتّى تتناول و تغتذي فتبقى بالغذاء و هذا ممّا يشاركك فيه الحيوان دون النبات، ثمّ هذه الشهوة لو لم تسكن إذا أخذت مقدار الحاجة أسرفت و أهلكت نفسك فخلق اللّه تعالى لك الكراهة عند الشبع لتترك الأكل بها، لا كالزّرع فإنّه لا يزال يجتذب الماء إذا انصبّ في أسافله حتّى يفسد فتحتاج إلى آدميّ يقدّر غذاءه بقدر الحاجة فيسقيه مرّة و يقطع عنه الماء أخرى، و كما خلقت لك هذه الشهوة حتّى تأكل فيبقى به بدنك خلق لك شهوة الوقاع حتّى تجامع فيبقى به نسلك و لو قصصنا عليك عجائب صنع اللّه في خلق الرّحم و خلق دم الحيض و تأليف الجنين من النطفة و دم الحيض و كيفيّة خلق الانثيين و العروق السالكة إليها من الفقار الّذي هو مستقرّ النطفة و كيفيّة انصباب ماء المرأة من الترائب بواسطة العروق و كيفيّة انقسام مقعر الرّحم إلى قوالب تقع النطفة في بعضها فتتشكّل بشكل الذكور و تقع في بعضها فتتشكّل بشكل الإناث و كيفيّة إدارتها في أطوار خلقها مضغة و علقة ثمّ عظما و لحما و دما و كيفيّة قسمة أجزائها إلى رأس و رجل و بطن و ظهر و يد و سائر الأعضاء لقضيت من أنواع نعم اللّه عليك في مبدأ خلقك كلّ العجب فضلا ممّا تراه الآن و لكنّا لسنا نريد أن نتعرّض إلّا لنعم اللّه تعالى في الأكل وحده كيلا يطول الكلام. فإذن شهوة الطعام أحد ضروب الإرادات و ذلك لا يكفيك فإنّه تأتيك المهلكات من الجوانب، فلو لم يخلق فيك الغضب الّذي به تدفع كلّ ما يضادّك و لا يوافقك لبقيت عرضة للآفات و لآخذ منك كلّ ما حصّلته من الغذاء، فإنّ كلّ أحد يشتهي ما في يديك فتحتاج إلى داعية في دفعه و مقاتلته و هي داعية الغضب، ثمّ لا يكفيك هذا إذ الشهوة و الغضب لا يدعوان إلّا
المحجة