المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠٢
أهملناه من جملة ما عرفناه حذرا من التطويل و جملة ما عرفناه و عرفه الخلق كلّهم بالإضافة إلى ما لم يعرفوه من نعم اللّه أقلّ من قطرة من بحار إلّا أنّ من علم شيئا من هذا أدرك شمّة عن معاني قوله تعالى: «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» [١] ثمّ انظر كيف ربط اللّه تعالى قوام هذه الأعضاء و قوام منافعها و إدراكاتها و قواها ببخار لطيف يتصاعد من الأخلاط الأربعة و مستقرّه القلب و يسري في جميع البدن بواسطة العروق الضوارب فلا ينتهي إلى جزء من أجزاء البدن إلّا و يحدث عند وصوله في تلك الأجزاء ما يحتاج إليه من قوّة حسّ و إدراك و قوّة حركة و غيرها كالسراج الّذي يدار في أطراف البيت فلا يصل إلى جزء إلّا و يحصل بسبب وصوله ضوء على أجزاء البيت و هو من خلق اللّه تعالى و اختراعه و لكنّه جعل السراج سببا له بحكمته و هذا البخار اللّطيف هو الّذي تسمّيه الأطباء الرّوح و محلّه القلب، و مثاله جرم نار السراج، و القلب له كالمسرجة، و الدّم الأسود الّذي في باطن القلب له كالفتيلة، و الغذاء له كالزّيت و الحياة الظاهرة في سائر أعضاء البدن بسببه كالضوء للسراج في جملة البيت، و كما أنّ السراج إذا انقطع زيته انطفأ فسراج الرّوح أيضا ينطفئ مهما انقطع غذاؤه و كما أنّ الفتيلة قد تحترق و تصير رمادا بحيث لا يقبل الزّيت فينطفئ السراج مع كثرة الزيت و كذلك الدّم الّذي تشبّث به هذا البخار في القلب قد يحترق بفرط حرارة القلب فينطفئ مع وجود الغذاء فإنّه لا يقبل الغذاء الّذي يبقى الرّوح به كما لا يقبل الرّماد الزّيت قبولا تتشبّث الناريّة، و كما أنّ السراج تارة تنطفئ بسبب من داخل كما ذكرنا و تارة بسبب من خارج كهبوب ريح أو إطفاء إنسان فكذلك انطفاء الرّوح تارة يكون بسبب من داخل و تارة بسبب من خارج و هو القتل و كما أنّ انطفاء السراج بفناء الزّيت أو بفساد الفتيلة أو بريح عاصف أو بإطفاء إنسان لا يكون إلّا بأسباب مقدّرة في علم اللّه مرتّبة، و يكون كلّ ذلك بقدر فكذلك انطفاء الرّوح و كما أنّ انطفاء السراج هو منتهى وقت وجوده فيكون ذلك أجله الّذي اجّل له في أمّ الكتاب فكذلك انطفاء الرّوح و كما أنّ السراج
[١] إبراهيم: ٣٤.
المحجة