المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٨
إلى نفسه لا إلى غيره، و أمّا العمل الصادر عن حال الزّهد فهو ترك واحد لأنّه بيع و معاملة و استبدال للّذي هو خير بالّذي هو أدنى فكما أنّ العمل الصادر من عقد البيع هو ترك المبيع و إخراجه من اليد و أخذ العوض فكذلك الزّهد يوجب ترك المزهود فيه بالكلّية و هي الدّنيا بأسرها مع أسبابها و مقدّماتها و علائقها، فيخرج من القلب حبّها و يدخل حبّ الطاعات و يخرج من اليد و العين ما أخرجه من القلب و يوظّف على اليد و العين و سائر الجوارح وظائف الطاعات و إلّا كان كمن سلّم المبيع و لم يأخذ الثمن فإذا و في بشرط الجانبين في الأخذ و الترك فليستبشر ببيعه الّذي بايع، فإنّ الّذي بايعه بهذا البيع وفى بالعهد، فمن سلّم حاضرا في غائب و سلّم الحاضر و أخذ يسعى في طلب الغائب سلّم إليه الغائب حين فراغه من سعيه إن كان العاقد ممّن يوثق بصدقه و قدرته و وفائه بالعهد، و ما دام ممسكا للدّنيا لا يصحّ زهده أصلا، و لذلك لم يصف اللّه تعالى إخوة يوسف بالزّهد في ابن يامين و إن كانوا قد «قالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا» [١] و عزموا على إبعاده كما عزموا على إبعاد يوسف حتّى تشفع فيه أحدهم فترك و لا وصفهم أيضا بالزّهد في يوسف عند العزم على إخراجه إلّا عند التسليم و البيع، فعلامة الرّغبة الإمساك و علامة الزّهد الإخراج فإن أخرجت عن اليد بعض الدّنيا دون البعض فأنت زاهد فيما أخرجت فقطّ و لست زاهدا مطلقا و إن لم يكن لك مال و لم تساعدك الدّنيا لم يتصوّر منك الزّهد لأنّ ما لا يقدر عليه لا يقدر على تركه، و ربّما يستهويك الشيطان بغروره و يخيّل إليك أنّ الدّنيا و إن لم تأتك فأنت زاهد فيها فلا ينبغي أن تتدلّى بحبل غروره دون أن تستوثق و تستظهر بموثق غليظ من اللّه، فإنّك إذا لم تجرّب نفسك حال القدرة فلا تثق بالقدرة على الترك عندها فكم من ظانّ بنفسه كراهة المعاصي عند تعذّرها فلمّا تيسّرت له أسبابها من غير مكدّر و لا خوف من الخلق يقع فيها، و إذا كان هذا غرور النفس في المحظورات فإيّاك و أن تثق بوعدها في المباحات و الموثق الغليظ أن تجرّبها مرّة بعد مرّة في حال القدرة فإذا وفت بما وعدت على الدّوام مع انتفاء الصوارف و الأعذار ظاهرا و باطنا، فلا
[١] يوسف: ٨.
المحجة