المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٣٥
الاستنشاق فلا يظهر الوباء على الظاهر إلّا بعد طول التأثير في الباطن فالخروج من البلد لا يخلّص غالبا من الأثر الّذي استحكم من قبل و لكنّه يتوهّم الخلاص فيصير هذا من جنس الموهومات كالرّقي و الطيرة و غيرهما فلو تجرّد هذا المعنى لكان مناقضا للتوكّل و لم يكن منهيّا عنه و لكن صار منهيّا عنه لأنّه انضاف إليه أمر آخر و هو أنّه لو رخّص للأصحّاء في الخروج لما بقي في البلد إلّا المرضى الّذين أقعدهم المرض و الطاعون و انكسرت قلوبهم و فقدوا المتعهّدين، و لم يبق في البلد من يسقيهم الماء و يطعمهم الطعام، و هم يعجزون عن مباشرة ذلك بأنفسهم فيكون ذلك سعيا في إهلاكهم تحقيقا و خلاصهم منتظر كما أنّ خلاص الأصحّاء أيضا منتظر فلو أقاموا لم تكن الإقامة قاطعا بالموت، و لو خرجوا لم يكن الخروج قاطعا بالخلاص و هو قاطع في إهلاك الباقين، و المسلمون كالبنيان يشدّ بعضهم بعضا، و المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى إلى سائر أعضائه فهذا هو الّذي ينقدح عندنا في تعليل النهي و ينعكس هذا فيمن لم يقدم على البلد فإنّه لم يؤثّر الهواء في باطنهم و لا بأهل البلد حاجة إليهم نعم لو لم يبق في البلد إلّا مطعونون و افتقروا إلى المتعهّدين فقدم عليهم قوم، فربّما كان ينقدح استحباب الدّخول هاهنا لأجل الإعانة و لا ينهى عن الدّخول لأنّه تعرّض لضرر موهوم على رجاء دفع ضرر عن بقيّة المسلمين و لهذا شبه الفرار من الطاعون في بعض الأخبار [١] بالفرار من الزّحف لأنّ فيه كسرا لقلوب بقيّة المسلمين و يصير سعيا في إهلاكهم، فهذه أمور دقيقة فمن لا يلاحظها و ينظر إلى ظواهر الأخبار و الآثار يتناقض عنده أكثر ما يسمعه و غلط الزّهّاد و العبّاد في مثل هذا يكثر و إنّما شرف العلم و فضيلته لأجل ذلك.
(١) تمّ كتاب التوحيد و التوكّل من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء و يتلوه كتاب المحبّة و الشوق و الرّضا و الأنس إن شاء اللّه تعالى.
و فرغ منه مؤلّفه محسن بن مرتضى جعله اللّه من الموحّدين المتوكّلين و الحمد للَّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين
[١] تشبيه الفرار من الطاعون من الزحف أخرجه أحمد في مسنده ج ٦ ص ١٤٥ من حديث عائشة.
المحجة