المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٠
القلوب أنّ الدّنيا مزرعة الآخرة و القلب كالأرض، و الإيمان كالبذر فيه، و الطاعات جارية مجرى تقليب الأرض، و تطهيرها و مجرى حفر الأنهار، و سياقة الماء إليها، و القلب المستهتر بالدّنيا المستغرق بها كالأرض السبخة الّتي لا ينمو فيها البذر، و يوم القيامة يوم الحصاد و لا يحصد أحد إلّا ما زرع، و لا ينمو زرع إلّا من بذر الإيمان، و قلّما ينفع إيمان مع خبث القلب و سوء أخلاقه كما لا ينمو بذر في أرض سبخة فينبغي أن يقاس رجاء العبد المغفرة برجاء صاحب الزرع فكلّ من طلب أرضا طيّبة و ألقى فيها بذرا جيّدا غير عفن و لا مسوس ثمّ أمدّه بما يحتاج إليه و هو سوق الماء إليه في أوقاته، ثمّ نقي الأرض عن الشوك و الحشيش و كلّ ما يمنع نبات البذر أو يفسده، ثمّ جلس منتظرا من فضل اللّه دفع الصواعق و الآفات المفسدة إلى أن يتمّ الزّرع و يبلغ غايته سمّي انتظاره رجاء، و إن بثّ البذر في أرض صلبة سبخة مرتفعة لا ينصبّ إليها ماء و لم يشتغل بتعهّد البذر أصلا، ثمّ انتظر الحصاد منه سمّي انتظاره حمقا و غرورا لا رجاء، و إن بثّ البذر في أرض طيّبة و لكن لا ماء لها و أخذ ينتظر مياه الأمطار حيث لا تغلب الأمطار و لا يمتنع أيضا سمّي انتظاره تمنّيا لا رجاء فإذن اسم الرّجاء إنّما يصدق على انتظار محبوب تمهّدت جميع أسبابه الدّاخلة تحت اختيار العبد و لم يبق إلّا ما ليس يدخل تحت اختياره و هو فضل اللّه تعالى بصرف القواطع و المفسدات فالعبد إذا بثّ بذر الإيمان و سقاه بماء الطاعات و طهّر القلب من شوك الأخلاق الرّديّة و انتظر من فضل اللّه تثبيته على ذلك إلى الموت و حسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة كان انتظاره رجاء حقيقيّا محمودا في نفسه باعثا له على المواظبة و القيام بمقتضى الإيمان في إتمام أسباب المغفرة إلى الموت، و إن قطع عن بذر الإيمان تعهّده بماء الطاعات أو ترك القلب مشحونا برذائل الأخلاق، و انهمك في طلب لذّات الدّنيا، ثمّ انتظر المغفرة فانتظاره حمق و غرور، قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الأحمق من أتبع نفسه هواها و تمنّى على اللّه الجنّة» [١]. و قال تعالى:
«فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا» [٢]
[١] تقدم غير مرة.
[٢] مريم: ٦٠.
المحجة البيضاء جلد٧ ٢٥١ (بيان حقيقة الرجاء) ..... ص : ٢٤٩
المحجة