المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥٤
فهذا أحد النظرين.
النظر الثاني نظر من لم يبلغ إلى مقام الفناء عن نفسه و هؤلاء قسمان قسم لم يثبتوا إلّا وجود أنفسهم و أنكروا أن يكون لهم ربّ يعبد و هؤلاء هم العميان المنكوسون و عماهم في كلتا العينين لأنّهم نفوا ما هو الثابت تحقيقا و هو القيّوم الّذي هو قائم بنفسه و قائم على كلّ نفس بما كسبت و كلّ قائم فقائم به و لم يقتصروا على هذا حتّى أثبتوا أنفسهم و لو عرفوا لعلموا أنّهم من حيث هم هم لإثبات لهم و لا وجود لهم و إنّما وجودهم من حيث اوجدوا لا من حيث وجدوا، و فرق بين الموجود و بين الموجد، و ليس في الوجود إلّا موجود واحد و موجد، فالموجود حقّ و الموجد باطل من حيث هو هو، و الموجود قائم و قيّوم، و الموجد هالك و فان، فإذا كان كلّ من عليها فان فلا يبقى إلّا وجه ربّك ذو الجلال و الإكرام.
الفريق الثاني ليس بهم عمى و لكنّ بهم عور لأنّهم يبصرون بإحدى العينين وجود الموجود الحقّ فلا ينكرونه و العين الأخرى إن تمّ عماها لم يبصر بها فناء غير الموجود الحقّ فأثبت موجودا آخر مع اللّه تعالى و هذا مشرك تحقيقا كما كان الّذي قبله جاحدا تحقيقا فإن جاوز حدّ العمى إلى العمش أدرك تفاوتا بين الموجودين فأثبت عبدا و ربّا فبهذا القدر من إثبات التفاوت و النقص من الموجود الآخر دخل في حدّ التوحيد، ثمّ إن كحل بصره بما يزيد في أنواره فيقلّ عمشه و بقدر ما يزيد في بصره يظهر له من نقصان ما أثبته سوى اللّه فإن بقي في سلوكه كذلك، فلا يزال يفضي به النقصان إلى المحو فينمحى عن رؤية ما سوى اللّه فلا يرى إلّا اللّه فيكون قد بلغ كمال التوحيد و حيث أدرك نقصا في وجود ما سوى اللّه دخل في أوائل التوحيد و بينهما درجات لا تحصى فبهذا تتفاوت درجات الموحّدين، و كتب اللّه تعالى المنزلة على ألسنة رسله هي الكحل الّذي يحصل به أنوار الأبصار، و الأنبياء هم الكحّالون و قد جاءوا داعين إلى التوحيد المحض و ترجمته قول لا إله إلّا اللّه و معناه أن لا يرى إلّا الواحد الحقّ، و الواصلون إلى كمال التوحيد هم الأقلّون و الجاحدون و المشركون أيضا هم قليلون و هم على الطرف الأقصى المقابل لطرف التوحيد إذ
المحجة