المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣
هذا كلاما يناطح[١]علوم المكاشفة و يحرّك أمواجها و ليس ذلك من غرضنا فلنرجع إلى ما كنّا بصدده و هو بيان أنّ التوبة واجبة بجميع أجزائها الثلاثة: العلم و الندم و الترك و أنّ الندم داخل في الوجوب لكونه واقعا في جملة أفعال اللّه المحصورة بين علم العبد و إرادته و قدرته المتخلّلة بينها و ما هذا وصفه فاسم الوجوب يشمله.
(بيان ان وجوب التوبة على الفور)
أمّا وجوبها على الفور فلا يستراب فيه إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من نفس الإيمان و هو واجب على الفور و المتفصّى عن وجوبه هو الّذي عرفه معرفة زجره ذلك عن الفعل فإنّ هذه المعرفة ليست من علوم المكاشفات الّتي لا تتعلّق بعمل بل من علوم المعاملة، و كلّ علم يراد ليكون باعثا على عمل فلا يقع التفصّي عن عهدته ما لم يصر باعثا، فالعلم بضرر الذّنوب إنّما أريد ليكون باعثا على تركها فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان، و هو المراد بقوله عليه السّلام «لا يزني الزّاني حين يزني و هو مؤمن» [١] و ما أراد به نفي الإيمان الّذي يرجع إلى علوم المكاشفة كالعلم باللّه و وحدانيّته و صفاته و كتبه و رسله فإنّ ذلك لا ينافي الزّنى و المعاصي و إنّما أراد به نفي الايمان لكون الزنى مبعدا عن اللّه و موجبا للمقت كما إذا قال الطبيب: هذا سمّ فلا تتناوله فإذا تناوله يقال تناول و هو غير مؤمن، لا بمعنى أنّه غير مؤمن بوجود الطبيب و كونه طبيبا و غير مصدّق به بل المراد أنّه غير مصدّق بقوله إنّه سمّ مهلك، فإنّ العالم بالسمّ لا يتناوله أصلا، فالعاصي بالضرورة ناقص الإيمان و ليس الإيمان بابا واحدا بل هو نيّف و سبعون بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أدناها إماطة الأذى عن الطريق، و مثاله قول القائل: ليس الإنسان موجودا واحدا بل هو نيّف و سبعون موجودا أعلاها القلب و الرّوح و أدناها إماطة الأذى عن البشرة بأن يكون مقصوص الشّارب مقلوم الأظفار نقيّ البشرة عن الخبث حتّى يتميّز عن البهائم المرسلة المتلوّثة بأرواثها المستكرهة الصور بطول مخالبها و أظلافها هذا مثال
[١] ناطحه أي دفعه.
[١] متفق عليه من حديث أبي هريرة و رواه الترمذي ج ١٠ ص ٩١.
المحجة