المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٤
الأرباب و أجرى به سنّته و لا تبديل لسنّة اللّه، و لا يعلم المغرور: أنّ ربّ الآخرة و ربّ الدّنيا واحد و أنّ سنّته لا تبديل لها فيهما جميعا و أنّه قد أخبر بذلك إذ قال: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى» [١] فكيف يعتقد أنّه كريم في الآخرة و ليس بكريم في الدّنيا، و كيف يقول: ليس مقتضى الكرم الفتور عن كسب المال و مقتضاه الفتور عن العمل للملك المقيم و النعيم الدائم، و أنّ ذلك بحكم الكرم يعطيه من غير جهد، و هذا يمنعه من شدّة الاجتهاد في غالب الأمر، فنعوذ باللّه من العمى و الضلال، فما هذا إلّا انتكاس على أمّ الرأس و انغماس في ظلمات الجهل و صاحبه جدير بأن يكون داخلا تحت قوله تعالى: «وَ لَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً» [٢] أي أبصرنا أنّك صدقت إذ قلت: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى» فارجعنا لنسعى و عند ذلك لا يتمكّن من الانقلاب و يحقّ عليه العذاب، فنعوذ باللّه من دواعي الجهل و الشكّ و الارتياب السائق بالضرورة إلى سوء المنقلب و المآب.
(بيان ما ينبغي أن يبادر إليه التائب) (ان جرى عليه ذنب اما عن قصد و شهوة غالبة أو عن إلمام بحكم الاتفاق)
اعلم أنّ الواجب عليه التوبة و الندم و الاشتغال بالتكفير بحسنة تضادّه كما ذكرنا طريقه، فإن لم يساعده النفس على العزم على الترك لغلبة الشهوة فقد عجز عن أحد الواجبين فلا ينبغي أن يترك الواجب الثاني و هو أن يدرأ بالحسنة السيّئة لتمحوها فيكون ممّن خلط عملا صالحا و آخر سيّئا و الحسنات المكفّرة للسيّئات إمّا بالقلب و إمّا باللّسان و إمّا بالجوارح، و لتكن الحسنة في محلّ السيّئة و فيما يتعلّق بأسبابها. فأمّا بالقلب فليكفّره بالتضرّع إلى اللّه تعالى في سؤال المغفرة و العفو و يتذلّل تذلّل العبد الآبق و يكون ذلّه بحيث يظهر لسائر العباد، و ذلك بنقصان كبره فيما بينهم، فما للعبد الآبق المذنب وجه للتكبّر على سائر العباد و كذلك يضمر بقلبه الخيرات للمسلمين و العزم على الطاعات. و أمّا باللّسان
[١] النجم: ٣٩.
[٢] السجدة: ١٢.
المحجة