المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٨
محمود بالإضافة إلى المستدبر إذ يرجى له الوصول إليها و ليس بمحمود بالإضافة إلى المعتكف في الكعبة و الملازم لها الّذي لا يخرج منها حتّى يفتقر إلى الاشتغال بالدابّة في الوصول إليها فلا ينبغي أن تظنّ أنّ بغض الدّنيا مقصود في عينه بل الدّنيا عائق عن اللّه و لا وصول إليه إلّا بدفع العائق و لذلك قال أبو سليمان الدّاراني من زهد في الدّنيا و اقتصر عليه فقد استعجل الرّاحة بل ينبغي أن يشتغل بالآخرة. فبيّن أن سلوك طريق الآخرة وراء الزّهد كما أنّ سلوك طريق الحجّ وراء دفع الغريم العائق عن طريق الحجّ، فإذن قد ظهر أنّ الزّهد في الدّنيا إن أريد به عدم الرّغبة في وجودها و عدمها فهو غاية الكمال و إن أريد به الرّغبة في عدمها فهو كمال بالإضافة إلى درجة الرّاضي و القانع و الحريص، و نقصان بالإضافة إلى درجة المستغني، بل الكمال في حقّ المال أن يستوي عندك الماء و المال، و كثرة الماء في جوارك لا تؤذيك بأن تكون على شاطئ البحر و لا قلّته تؤذيك إلّا في قدر الضرورة مع أنّ الماء محتاج إليه كما أنّ المال محتاج إليه فلا يكون قلبك مشغولا بالفرار عن جوار الماء الكثير و لا يبغض الماء الكثير، بل تقول: أشرب منه بقدر الحاجة و أسقي منه عباد اللّه بقدر الحاجة، و لا أبخل به على أحد، فهكذا ينبغي أن يكون المال لأنّ الخبز و الماء واحد في الحاجة و إنّما الفرق بينهما في قلّة أحدها و كثرة الآخر و إذا عرفت اللّه و وثقت بتدبيره الّذي دبّر به العالم علمت أنّ قدر حاجتك من الخبز يأتيك لا محالة ما دمت حيّا كما يأتيك قدر حاجتك من الماء على ما سيأتي بيانه في كتاب التوكّل.
فإن قلت: فما بال الأنبياء و الأولياء هربوا من المال و نفروا منه كلّ النفار فأقول: كما نفروا من الماء على معنى أنّهم ما شربوا أكثر من حاجتهم فنفروا عمّا وراءها و لم يجمعوه في القرب و الروايا يديرونه مع أنفسهم بل تركوه في الأنهار و البراري للمحتاجين لا أنّهم كانت قلوبهم مشغولة بحبّه أو بغضه و قد حملت خزائن الأرض إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إلى بعض أصحابه فأخذوها و وضعوها في مواضعها و ما هربوا منها إذ كان قد استوى عندهم الماء و المال و الذّهب و الحجر و ما نقل عنهم من امتناع فإمّا أن ينقل عمّن خاف أن لو أخذه أن يخدعه المال و يقيّد قلبه فيدعوه إلى
المحجة