المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٤
«تجالسوا فتذكروا ما علموا- فيقول الآخر: و يا ليتهم إذ لم يعملوا بما علموا تابوا ممّا عملوا». و قال بعض السّلف: إذا أذنب العبد أمر صاحب اليمين صاحب الشّمال- و هو أمير عليه- أن يرفع القلم عنه ستّ ساعات فإن تاب و استغفر لم يكتبها عليه و إن لم يستغفر كتبها.
و قال بعض السلف: ما من عبد يعصي إلّا استأذن مكانه من الأرض أن يخسف به، و استأذن سقفه من السماء أن يسقط عليه كسفا، فيقول اللّه تعالى للأرض و السماء كفًّا عن عبدي و امهلاه فإنّكما لم تخلقاه و لو خلقتماه لرحمتماه، لعلّه يتوب إليّ فأغفر له، لعلّه يستبدل صالحا فأبدله حسنات، فذلك معنى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ» [١].
و الأخبار و الآثار في ذمّ المعاصي و مدح التائبين لا تحصى، فينبغي أن يستكثر الواعظ منها إن كان هو وارث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإنّه ما خلّف دينارا و لا درهما إنّما خلّف العلم و الحكمة و ورثه كلّ عالم بقدر ما أصابه.
و النوع الثاني حكايات الأنبياء و السلف
و ما جرى عليهم من المصائب بسبب ذنوبهم فذلك شديد الوقع ظاهر النفع في قلوب الخلق مثل أحوال آدم عليه السّلام في عصيانه و ما لقيه من الإخراج من الجنّة حتّى روي أنّه لما أكل من الشجرة تطايرت الحلل عن جسده و بدت عورته فاستحيا التّاج و الإكليل من وجهه أن يرتفعا عنه فجاءه جبرئيل فأخذ التاج من رأسه و حلّ الإكليل عن جبينه و نودي من فوق العرش اهبطا من جواري فإنّه لا يجاورني من عصاني، قال: فالتفت آدم إلى حوّاء باكيا و قال: هذا أوّل شؤم المعصية أخرجنا من جوار الحبيب.
و روي في الإسرائيليّات أنّ رجلا تزوّج امرأة من بلدة أخرى و أرسل عبده يحملها إليه فراودته نفسه و طالبته بها فجاهدها و استعصم قال: فنبّأه اللّه ببركة تقواه فكان نبيّا في بني إسرائيل، و في قصص موسى عليه السّلام أنّه قال للخضر عليه السّلام: بم أطلعك اللّه على علم الغيب؟ فقال: بتركي المعاصي لأجل اللّه تعالى، و روي أنّ اللّه تعالى
[١] فاطر: ٤١.
المحجة البيضاء، جلد٧، ص: ٩٥
أوحى إلى يعقوب عليه السّلام: أ تدري لم فرّقت بينك و بين ولدك يوسف؟ قال: لا، قال:
لقولك لإخوته أخاف أن يأكله الذّئب لم خفت عليه الذّئب و لم ترجني و لم نظرت إلى غفلة إخوته و لم تنظر إلى حفظي له؟ و كذلك لمّا قال يوسف لصاحب الملك: «اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ» قال تعالى: «فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ» [١].
و أمثال هذه الحكايات لا تنحصر و لم يرد بها القرآن و الأخبار ورود الأسمار، بل الغرض بها الاعتبار و الاستبصار ليعلم أنّ الأنبياء عليهم السّلام لم يتجاوز عنهم في الذّنوب الصغار فكيف يتجاوز عن غيرهم في الذّنوب الكبار، نعم كانت سعادتهم في أن عوجلوا بالعقوبة و لم يؤخّروا إلى الآخرة، و الأشقياء يمهلون ليزدادوا إثما و لأنّ عذاب الآخرة أشدّ و أكبر، فهذا أيضا ممّا ينبغي أن يكثر جنسه على أسماع المصرّين فإنّه نافع في تحريك دواعي التوبة.
النوع الثالث: أن يقرّر عندهم أنّ تعجيل العقوبة في الدّنيا متوقّع على الذّنب
و أنّ كلّ ما يصيب العبد من المصائب فهو بسبب جناياته فربّ عبد يتساهل في أمر الآخرة و يخاف من عقوبة اللّه في الدّنيا أكثر لفرط جهله فينبغي أن يخوّف به فإنّ الذّنوب كلّها يتعجّل في الدّنيا شؤمها في غالب الأمر حتّى قد يضيق على العبد رزقه بسبب ذنوبه و قد تسقط منزلته عن القلوب و يستولي عليه أعداؤه قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ العبد ليحرم الرّزق بالذنب يصيبه» [٢] و قال ابن مسعود: إنّي لأحسب أنّ العبد لينسى العلم بذنب يصيبه و هو معنى قوله عليه السّلام: «من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا» [٣].
و قال بعض السلف: ليست اللّعنة سوادا في الوجه و نقصانا في المال إنّما اللّعنة أن لا تخرج من ذنب إلّا وقعت في مثله أو أشدّ منه، و هو كما قاله لأنّ اللّعنة هي الطرد و الإبعاد فإذا لم يوفّق للخير و يسّر له الشرّ فقد أبعد، و الحرمان عن رزق
[١] يوسف: ٤٣.
[٢] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٤٠٢٢ بإسناد حسن و في الكافي ج ٢ ص ٢٧١ مثله.
[٣] قد تقدم.
المحجة