المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٧٧
كتاب التوحيد و التوكّل
(١) و هو الكتاب الخامس من ربع المنجيات من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للَّه المدبّر للملك و الملكوت، المتفرّد بالعزّ و الجبروت، و الرّافع السماء بغير عماد، المقدّر فيها أرزاق العباد، الّذي صرف أعين ذوي القلوب و الألباب عن ملاحظة الوسائط و الأسباب إلى مسبّب الأسباب، و رفع هممهم عن الالتفات إلى ما عداه، و الاعتماد على مدبّر سواه، فلم يعبدوا إلّا إيّاه، علما بأنّه الواحد الفرد الصمد الإله، و تحقيقا بأنّ جميع أصناف الخلق عباد أمثالهم لا يبتغى عندهم الرّزق، و أنّه ما من ذرّة إلّا إلى اللّه خلقها، و ما من دابّة إلّا على اللّه رزقها، فلمّا تحقّقوا أنّه لرزق عباده ضامن و به كفيل توكّلوا عليه و قالوا: حسبنا اللّه و نعم الوكيل.
و الصلاة على محمّد قامع الأباطيل، الهادي إلى سواء السبيل، و على آله و أصحابه و سلّم تسليما كثيرا.
أما بعد فإنّ التوكّل منزل من منازل الدّين و مقام من مقامات الموقنين بل هو من معالي درجات المقرّبين و هو في نفسه غامض من حيث العلم ثمّ هو شاقّ من حيث العمل، و وجه غموضه من حيث الفهم أنّ ملاحظة الأسباب و الاعتماد عليها شرك في التوحيد و التباعد عنها بالكلّيّة طعن في السنّة و قدح في الشرع و الاعتماد على الأسباب من غير أن ترى أسبابا، تغيير في وجه العقل و انغماس في غمرة الجهل و تحقيق معنى التوكّل على وجه يتوافق فيه مقتضى التوحيد و العقل و الشرع في غاية الغموض و العسر، و لا يقوى على كشف هذا الغطاء مع شدّة هذا الخفاء إلّا سماسرة
المحجة