المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٣
خلق النبات و هو أكمل وجودا من الحجر و المدر و الحديد و النحاس و سائر الجواهر الّتي لا تنمي و لا تغذّي فإنّ النبات خلق فيه قوّة بها يجتذب الغذاء إلى نفسه من جهة أصله و عروقه الّتي في الأرض و هي له آلات بها يجتذب الغذاء و هي العروق الدّقيقة الّتي تراها في كلّ ورقة ثمّ تغلظ أصولها، ثمّ تتشعّب و لا تزال تستدقّ و تتشعّب إلى عروق شعريّة تنبسط في أجزاء الورقة حتّى تغيب عن البصر إلّا أنّ النبات مع هذا الكمال ناقص فإنّه إذا أعوزه غذاء يساق إليه و يماسّ أصله جفّ و يبس و لم يمكنه طلب الغذاء من موضع آخر فإنّ الطلب إنّما يكون بمعرفة المطلوب و بالانتقال إليه، و النبات عاجز عن ذلك، فمن نعمة اللّه عليك أن خلق لك آلة الإحساس و آلة الحركة في طلب الغذاء فانظر إلى ترتيب حكمة اللّه في خلق الحواسّ الخمس الّتي هي آلة الإدراك فأوّلها حاسّة اللّمس و إنّما خلقت لك حتّى إذا مسّتك نار محرقة أو سيف جارح تحسّ به فتهرب منه، و هذا أوّل حسّ يخلق للحيوان و لا يتصوّر حيوان إلّا و أن يكون له هذا الحسّ لأنّه إن لم يحسّ أصلا فليس بحيوان، و أنقص درجات الحسّ أن يحسّ بما يلاصقه و يماسّه فإنّ الإحساس بما يبعد منه إحساس أتمّ لا محالة، و هذا الحسّ موجود لكلّ حيوان حتّى الدّودة الّتي في الطين فإنّها إذا غرز فيها إبرة انقبضت للهرب لا كالنبات فإنّ النبات يقطع فلا ينقبض إذ لا يحسّ بالقطع إلّا أنّك لو لم يخلق لك إلّا هذا الحسّ لكنت ناقصا كالدّودة و لا تقدر على طلب الغذاء من حيث يبعد عنك بل ما يماسّ بدنك فتحسّ به فتجذبه إلى نفسك فقطّ فافتقرت إلى حسّ تدرك به ما بعد عنك فخلق لك الشمّ إلّا أنّك تدرك به الرّائحة و لا تدري أنّها جاءت من أيّ ناحية فتحتاج أن تطوف كثيرا من الجوانب، فربّما تعثر على الغذاء الّذي شممت ريحه و ربّما لم تعثر فتكون في غاية النقصان لو لم يخلق لك إلّا هذا، فخلق لك البصر لتدرك به ما بعد عنك و تدرك جهته فتقصد تلك الجهة بعينها إلّا أنّه لو لم يخلق لك إلّا هذا لكنت ناقصا إذ لا تدرك بهذا ما وراء الجدران و الحجب فتبصر غذاء ليس بينك و بينه حجاب و تبصر عدوّا لا حجاب بينك و بينه و أمّا ما بينك و بينه حجاب فلا تبصره
المحجة