المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٦
من نار جهنّم و لا رجاؤنا للحور العين و إنّما مطلبنا اللّقاء و مهربنا من الحجاب فقطّ و قالوا: من يعبد اللّه بعوض فهو لئيم، إذ يعبده لطلب جنّته أو لخوف ناره بل العارف يعبده لذاته فلا يطلب إلّا ذاته فقط فأمّا الحور و الفواكه فقد لا يشتهيها و أمّا النار فقد لا يتّقيها إذ نار الفراق إذا استولت ربّما غلبت النّار المحرقة للأجسام فإنّ نار الفراق نار اللّه الموقدة الّتي تطّلع على الأفئدة و نار جهنّم لا شغل لها إلّا مع الأجسام و ألم الأجسام يستحقر مع ألم الفؤاد و لذلك قيل:
ففي فؤاد المحبّ نار جوى
أحرّ نار الجحيم أبردها
و لا ينبغي أن تنكر هذا في عالم الآخرة إذ له نظير مشاهد في عالم الدّنيا فقد رئي من غلب عليه الوجد فغدا على النار و على أصول القصب الجارحة للقدم و لا يحسّ به لفرط غلبة ما في جوفه، و يرى الغضبان يستولى عليه الغضب في القتال فتصيبه جراحات و هو لا يشعر بها في الحال لأنّ الغضب نار في القلب، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الغضب قطعة من النّار» [١] و احتراق الفؤاد أشدّ من احتراق الأجساد و الأشدّ يبطل الإحساس بالأضعف كما تراه. فليس الهلاك من النار و السيف إلّا من حيث إنّه يفرّق بين جزئين يرتبط أحدهما بالآخر برابطة التأليف المتمكّن في الأجسام، فالّذي يفرّق بين القلب و بين محبوبه المرتبط به برابطة تأليف أشدّ إحكاما من تأليف الأجسام فهو أشدّ إيلاما إن كنت من أرباب البصائر و أرباب القلوب و لا يبعد أن لا يدرك من لا قلب له شدّة هذا الألم و يستحقره بالإضافة إلى ألم الجسم، فالصبيّ لو خير بين ألم الحرمان عن الكرة و الصولجان و بين ألم الحرمان عن رتبة السلطان لم يحسّ بألم الحرمان عن رتبة السّلطان أصلا و لم يعد ذلك ألما، و قال: العدو في الميدان مع الصّولجان أحبّ إليّ من سرير ألف سلطان مع الجلوس عليه، بل من تغلبه شهوة البطن لو خير بين الهريسة و الحلواء و بين فعل جميل يقهر به الأعداء و يفرح به الأصدقاء لآثر الهريسة و الحلواء و هذا كلّه لفقد المعنى الّذي بوجوده يصير الجاه محبوبا و وجود المعنى الّذي بوجوده يصير الطعام
[١] تقدم في كتاب الغضب.
المحجة