المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤٧
بالنّعمة و لا بالانعام، و لعلّ هذا ممّا يتعذّر عليك فهمه فنضرب لك مثالا فنقول:
الملك الّذي يريد الخروج إلى سفر فأنعم بفرس على إنسان يتصوّر أن يفرح المنعم عليه بالفرس من ثلاثة أوجه: أحدها أن يفرح بالفرس من حيث إنّه فرس و إنّه مال ينتفع به و مركوب يوافق غرضه و إنّه جواد نفيس و هذا فرح لا حظّ له في الملك بل غرضه الفرس فقطّ و لو وجده في صحراء فأخذه لكان فرحه مثل ذلك.
الوجه الثاني أن يفرح به لا من حيث إنّه فرس بل من حيث يستدلّ به على عناية الملك به و شفقته عليه و اهتمامه بجانبه حتّى لو وجد هذا الفرس في صحراء أو أعطاه غير الملك لكان لا يفرح به أصلا لاستغنائه عن الفرس أصلا أو لاستحقاره له بالإضافة إلى مطلوبه من نيل المحلّ في قلب الملك.
الوجه الثالث أن يفرح به ليركبه ليخرج في خدمة الملك و يتحمّل مشقّة السّفر لينال بخدمته رتبة القرب منه و ربّما يرتقي إلى درجة الوزارة من حيث إنّه ليس يقنع بأن يكون محلّه في قلب الملك أن يعطيه فرسا و يعتني به هذا القدر من العناية بل هو طالب لأن لا ينعم الملك بشيء من ماله على أحد إلّا بواسطته، ثمّ إنّه ليس يريد من الوزارة الوزارة أيضا بل يريد مشاهدة الملك و القرب منه حتّى لو خيّر بين القرب منه دون الوزارة و بين الوزارة دون القرب لاختار القرب فهذه ثلاث درجات:
فالأولى لا يدخل فيها معنى الشكر أصلا لأنّ نظر صاحبها مقصور على الفرس ففرحه بالفرس لا بالمعطي و هذا حال كلّ من فرح بنعمة من حيث إنّها لذيذة و موافقة لغرضه فهو بعيد عن معنى الشّكر.
و الثانية داخلة في معنى الشّكر من حيث إنّه فرح بالمنعم و لكن لا من حيث ذاته بل من حيث معرفة عنايته الّتي تستحثّه على الإنعام في المستقبل و هذا حال الصّالحين الّذين يعبدون اللّه و يشكرونه خوفا من عقابه و رجاء لثوابه و إنّما الشّكر التّام في الفرح الثالث:
و هو أنّ يكون فرح العبد بنعم اللّه من حيث إنّه يقدر بها على التوصّل إلى القرب منه و النزول في جواره و النظر إلى وجهه على الدّوام فهذا هو الرّتبة
المحجة