المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥٥
عبدة الأوثان قالوا: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» فكانوا داخلين في أوائل أبواب التوحيد دخولا ضعيفا و المتوسّطون هم الأكثرون و فيهم من تنفتح بصيرته في بعض الأحوال فتلوح له حقائق التوحيد، و لكن كالبرق الخاطف لا يثبت و فيهم من يلوح له ذلك و يثبت زمانا و لكن لا يدوم و الدّوام فيه عزيز.
لكلّ إلى شأو العلى حركات
و لكن عزيز في الرّجال ثبات
و لمّا أمر اللّه تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بطلب القرب فقيل له: «وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ» [١] قال في سجوده «أعوذ بعفوك من عقابك، و أعوذ برضاك من سخطك و أعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»[١]فقوله: «أعوذ بعفوك من عقابك» كلام عن مشاهدة فعل اللّه فقطّ فكأنّه لم ير إلّا اللّه و أفعاله فاستعاذ بفعله من فعله، ثمّ اقترب ففني عن مشاهدة الأفعال و ترقّى إلى مصادر الأفعال و هي الصفات فقال: «أعوذ برضاك من سخطك»[٢]و هما صفتان ثمّ رأى ذلك نقصانا في التوحيد فاقترب و رقى من مقام مشاهدة الصفات إلى مشاهدة الذّات فقال:
أعوذ بك منك و هذا فرار منه إليه من غير رؤية فعل و صفة و لكنّه رأى نفسه فارّا منه إليه و مستعيذا و مثنيا ففني عن مشاهدة نفسه إذ رأى ذلك نقصانا و اقترب فقال: «أنت كما أثنيت على نفسك لا أحصي ثناء عليك» فقوله: «لا أحصي» خبر عن فناء نفسه و خروجه عن مشاهدته و قوله: «أنت كما أثنيت على نفسك» بيان أنّه المثني و المثنى عليه و أنّ الكلّ منه بدا و إليه يعود، و أنّ كلّ شيء هالك إلّا وجهه فكان أوّل مقامه نهاية مقامات الموحّدين و هو أن لا يرى إلّا اللّه و أفعاله، فيستعيذ بفعل من فعل فانظر إلى ما ذا انتهت نهايته إذا انتهى إلى الواحد الحقّ حتّى ارتفع من نظره و مشاهدته سوى الذّات الحقّ، و لقد كان عليه السّلام لا يرقى من رتبة إلى أخرى
[١] رواه مالك في الموطإ ج ١ ص ١٦٧ من حديث عائشة.
و فيه «أعوذ برضاك عن سخطك و بمعافاتك من عقوبتك» و كذا رواه مسلم و غيره و قد تقدم.
[٢] عرفت أن هذه الحملة في الحديث مقدمة على الجملة الأولى. فلا يستقيم ما قاله أبو حامد إلّا على رواية النسائي في السنن ج ٨ ص ٢٨٤ لأنه روى الاستعاذات فقط كما في المتن دون قوله: «لا أحصى ثناء- إلخ-».
[١] العلق: ١٩
المحجة البيضاء، جلد٧، ص: ١٥٦
إلّا و يرى الأولى بعدا بالإضافة إلى الثانية، فكان يستغفر اللّه من الأولى و يرى ذلك نقصا في سلوكه و تقصيرا في مقامه، و إليه الإشارة بقوله عليه السّلام «إنّه ليغان على قلبي حتّى استغفر اللّه في اليوم و اللّيلة سبعين مرّة» [١] فكان ذلك لترقّيه إلى سبعين مقاما بعضها بعد البعض و أوائلها و إن كان مجاوزا أقصى غايات الخلق و لكن كان نقصانا بالإضافة إلى أواخرها فكان استغفاره لذلك، و لمّا قالت عائشة: أ ليس قد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر فما هذا البكاء في السجود؟ و ما هذا الجهد الشديد؟ قال: «أ فلا أكون عبدا شكورا» [٢] معناه أ فلا أكون طالبا للمزيد في المقامات فإنّ الشكر سبب الزّيادة حيث قال تعالى: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» [٣] و إذ تغلغلنا في بحار المكاشفة فلنقبض العنان و لنرجع إلى ما يليق بعلوم المعاملة فنقول: الأنبياء بعثوا لدعوة الخلق إلى كمال التوحيد الّذي وصفناه و لكن بينهم و بين الوصول إليه مسافة بعيدة و عقبات شديدة، و إنّما الشرع كلّه تعريف طريق سلوك تلك المسافة و قطع تلك العقبات و عند ذلك يكون النظر عن مشاهدة أخرى و مقام آخر فيظهر في ذلك المقام بالإضافة إلى تلك المشاهدة الشكر و الشاكر و المشكور و لا يعرف ذلك إلّا بمثال، فأقول: يمكنك أن تفهم أنّ ملكا من الملوك أرسل إلى عبد قد بعد منه مركوبا و ملبوسا و نقدا لأجل زاده في الطريق حتّى يقطع به مسافة البعد و يقرب من حضرة الملك ثمّ يكون له حالتان إحداهما أن يكون قصده من وصول العبد إلى حضرته أن يقوم ببعض مهمّاته و يكون له عناية في خدمته، و الثانية أن لا يكون للملك حظّ في العبد و لا حاجة به إليه بل حضوره لا يزيد في ملكه لأنّه لا يقوى على القيام بخدمة تغني فيه غناء و غيبته لا تنقص من ملكه فيكون قصده من الإنعام عليه بالمركوب و الزّاد أن يحظي العبد بالقرب منه و ينال سعادة حضرته لينتفع هو في نفسه لا لينتفع الملك به و بانتفاعه فمنزل العبد من اللّه تعالى في
[١] تقدم غير مرة.
[٢] تقدم من طريق الخاصة و العامة آنفا.
[٣] إبراهيم: ٧.
المحجة