المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٨
عليه، و هذا لا يعرفه إلّا من عرف الطريق و المقصد و العائق و طريق السلوك و قد أشرنا إلى تلويحات منه في كتاب العلم و في ربع المهلكات، بل نقول: شرط دوام التوبة أن يكون كثير الفكر في النعيم في الآخرة لتزيد رغبته، و لكن إن كان شابّا فلا ينبغي أن يطيل فكره في كلّ ماله نظير في الدّنيا كالحور و القصور فإنّ ذلك الفكر ربّما يحرّك رغبته فيطلب العاجلة و لا يرضى بالآجلة، بل ينبغي إن يتفكّر في لذّة جوار اللّه فقطّ فإنّ ذلك لا نظير له في الدّنيا فكذلك تذكّر الذّنب قد يكون محرّكا للشهوة، فالمبتدي أيضا قد يستضرّ به فيكون النسيان أفضل له عند ذلك و لا يصدنّك عن التصديق بهذا التحقيق ما يحكى لك من بكاء داود و نياحته عليه السّلام فإنّ قياسك نفسك على الأنبياء قياس في غاية الاعوجاج لأنّهم قد ينزلون في أقوالهم و أفعالهم إلى الدّرجات اللّائقة بامّتهم فإنّهم ما بعثوا إلّا لإرشادهم فعليهم التلبّس بما تنتفع امّتهم بمشاهدته و إن كان ذلك نازلا عن ذروة مقامهم فلقد كان في الشيوخ من لا يشير على مريده بنوع رياضة إلّا و يخوض معه فيها، و قد كان مستغنيا عنها لفراغه عن المجاهدة و تأديب النفس و لكن تسهيلا للأمر على المريد، و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«أما إنّي لا أنسى و لكنّي انسى لاشرّع» [١]و لا تعجب من هذا فإنّ الأمم في كنف شفقة الأنبياء كالصبيان في كنف شفقة الآباء و كالمواشي في كنف الرّعاة أما ترى الأب إذا أراد أن يستنطق ولده الصبيّ كيف ينزل إلى درجة نطق الصبيّ كما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للحسن عليه السّلام: «كخ كخ» لما أخذ تمرة من الصّدقة و وضعها في فيه [١] و ما كانت فصاحته تقصر عن أن يقول: ارم هذه التمرة فإنّها حرام و لكنّه إذ علم أنّه لا يفهم منطقه ترك فصاحته و نزل إلى لكنته بل الّذي يعلّم شاة أو طائرا يصوت به رغاء أو صفيرا تشبّها بالبهيمة و الطائر تلطّفا في تعليمه، فإيّاك أن تغفل عن أمثال هذه الدّقائق فإنّها مزلّة أقدام العارفين فضلا عن الغافلين.
[١] ما عثرت على أصل له الا على ما في الموطإ هكذا «عن مالك بلغه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: «انى لأنسي أو أنسّى لاسنّ» راجع الموطأ ج ١ ص ٩١.
[١] أخرجه البخاري ج ٢ ص ١٥٠ من حديث أبي هريرة.
المحجة