المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٥
بل الفقر من المال على الخصوص و إلّا ففقر العبد بالإضافة إلى أصناف حاجاته لا ينحصر لأنّ حاجاته لا حصر لها و من جملة حاجاته ما يتوصّل إليه بالمال و هو الّذي نريد الآن بيانه فقط فنقول: كلّ فاقد للمال فإنّا نسمّيه فقيرا بالإضافة إلى المال الّذي فقده إذا كان ذلك المفقود محتاجا إليه في حقّه، ثمّ يتصوّر أن يكون له خمسة أحوال عند الفقر و نحن نميّزها و نخصّص كلّ حال باسم لنتوصّل بالتمييز إلى ذكر أحكامها.
الحالة الأولى: و هي العليا أن يكون بحيث لو أتاه المال لكرهه و تأذّى به و هرب من أخذه مبغضا له و محترزا من شرّه و شغله و هو الزّهد و اسم صاحبه الزّاهد.
الثانية: أن يكون بحيث لا يرغب فيه رغبة يفرح بحصوله و لا يكرهه كراهة يتأذّى بها و يزهد فيه و لو أتاه رضي به و صاحب هذه الحالة يسمّى راضيا.
الثالثة: أن يكون وجود المال أحبّ إليه من عدمه لرغبة له فيه و لكن لم يبلغ من رغبته أن ينهض لطلبه بل إن أتاه عفوا صفوا أخذه و فرح به، و إن افتقر إلى تعب في طلبه لم يشتغل به، و صاحب هذه الحالة نسمّيه قانعا إذ قنع نفسه بالموجود حتّى ترك الطلب مع ما فيه من الرّغبة الضعيفة.
الرّابعة: أن يكون تركه الطلب لعجزه و إلّا فهو راغب فيه رغبة لو وجد سبيلا إلى طلبه و لو بالتعب لطلبه أو هو مشغول بالطلب و صاحب هذه الحالة نسمّيه بالحريص.
الخامسة: أن يكون ما فقده من المال مضطرّا إليه كالجائع الفاقد للخبز و العاري الفاقد للثوب، و يسمّى صاحب هذه الحالة مضطرّا كيف ما كانت رغبته في الطلب إمّا ضعيفة و إمّا قويّة و قلّما ينفكّ هذه الحالة عن الرّغبة فهذه خمسة أحوال أعلاها الزّهد و الاضطرار إن انضمّ إليه الزّهد و تصوّر ذلك فهو أقصى درجات الزّهد كما سيأتي بيانه.
(١) أقول: الاضطرار المنضمّ إليه الزّهد إن تصوّر فليس من الخصال المحمودة بل و لا من شيم العقلاء فضلا عن أن يكون أقصى درجات الزّهد فانّ الجائع المضطرّ
المحجة