المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٢
مثالا واحدا للحكم الخفيّة الّتي ليست في غاية الخفاء حتّى تعتبر بها و تعلم طريقة الشكر و الكفران على النعم.
فنقول: من نعم اللّه تعالى خلق الدّراهم و الدّنانير و بهما يتمّ قوام الدّنيا و هما حجران لا منفعة في أعيانهما و لكن يضطرّ الخلق إليهما من حيث إنّ كلّ إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه و ملبسه و سائر حاجاته و قد يعجز عمّا يحتاج إليه و يملك ما يستغنى عنه كمن يملك الزعفران مثلا و هو محتاج إلى جمل يركبه و من يملك الجمل ربّما يستغني عنه و يحتاج إلى الزعفران فلا بدّ بينهما من معاوضة و لا بدّ في مقدار العوض من تقدير إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله بكلّ مقدار من الزّعفران و لا مناسبة بين الزّعفران و الجمل حتّى يقال يعطي منه مثله في الوزن أو الصورة، و كذا من يشتري دارا بثياب أو عبدا بخفّ أو دقيقا بحمار فهذه الأشياء لا تناسب فيها فلا يدري أنّ الجمل كم يسوي بالزّعفران فتتعذّر المعاملات جدّا فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسّط بينها يحكم فيها بحكم عدل فيعرف من كلّ واحد رتبته و منزلته حتّى إذا تقدّرت المنازل و ترتّبت الرّتب علم بعد ذلك المساوي من غير المساوي، فخلق اللّه تعالى الدّراهم و الدّنانير حاكمين و متوسّطين بين سائر الأموال حتّى تقدّر الأموال بهما، فيقال: هذا الجمل يساوي مائة دينار، و هذا القدر من الزّعفران يساوي مائة، فهما من حيث إنّهما مساويان لشيء واحد إذن يتساويان و إنّما أمكن التعديل بالنقدين إذ لا غرض في أعيانهما و لو كان في أعيانهما غرض ربّما اقتضى خصوص ذلك الغرض في حقّ صاحب الغرض ترجيحا و لم يقتض ذلك في حقّ من لا غرض له فلا ينتظم الأمر فإذا خلقهما اللّه تعالى ليتداولهما الأيدي و يكونا حاكمين بين الأموال بالعدل و لحكمة أخرى و هي التوسّل بهما إلى سائر الأشياء لأنّهما عزيزان في أنفسهما و لا غرض في أعيانهما و نسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة فمن ملكهما فكأنّه ملك كلّ شيء لا كمن ملك ثوبا فإنّه لم يملك إلّا الثوب، فلو احتاج إلى طعام ربّما لم يرغب صاحب الطعام في الثوب لأنّ غرضه في دابّة فاحتيج إلى شيء
المحجة