المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧١
أمره إلّا بالعزلة و الصمت و قلّة الأكل و النوم و إحراز قوت حلال فإن كان له مال موروث حلال أو كانت له حرفة يكتسب بها قدر الكفاية فليقتصر عليه فإنّ رأس المعاصي أكل الحرام فكيف يكون تائبا مع الإصرار عليه و لا يكتفي بالحلال و ترك الشبهات من لا يقدر على ترك الشهوات في المأكولات و الملبوسات و قد قال بعضهم: من صدق في ترك شهوة و جاهد نفسه للَّه تعالى سبع مرّات لم يبتل بها. و قال آخر: من تاب من ذنب و استقام سبع سنين لم يعد إليه أبدا.
و من مهمّات التائب إذا لم يكن عالما أن يتعلّم ما يجب عليه في المستقبل و ما يحرم عليه حتّى يمكنه الاستقامة و إن لم يؤثر العزلة لم تتمّ له الاستقامة المطلقة إلّا أن يتوب عن بعض الذّنوب كالّذي يتوب عن الشرب و الزنى و الغصب مثلا و ليست هذه توبة مطلقة و قد قال بعض الناس: إنّ هذه التوبة لا تصحّ و قال قائلون: تصحّ، و لفظ الصحّة في هذا المقام مجمل بل نقول لمن قال: لا تصحّ إن عنيت به أنّ تركه بعض الذّنوب لا يفيد أصلا بل وجوده كعدمه فما أعظم خطاك فإنّا نعلم أن كثرة الذّنوب سبب لكثرة العقاب و قلّتها سبب لقلّته و نقول لمن قال:
تصحّ إن أردت به أنّ التوبة عن بعض الذّنوب توجب قبولا يوصل إلى النجاة أو الفوز فهذا أيضا خطأ، بل النجاة و الفوز بترك الجميع، هذا حكم الظاهر و لسنا نتكلّم في خفايا أسرار عفو اللّه. فإن قال من ذهب إلى أنّه لا تصحّ: إنّي أردت به أنّ التوبة عبارة عن الندم و إنّما يندم على السرقة مثلا لكونها معصية لا لكونها سرقة و يستحيل أن يندم عليها دون الزّنى إن كان توجّعه لأجل المعصية فإنّ العلّة شاملة لهما إذ من يتوجّع على قتل ولده بالسيف يتوجّع على قتله بالسكّين، لأنّ توجّعه بفوات محبوبه سواء كان بالسيف أو بالسكين، فكذلك توجّع العبد بفوات محبوبه و ذلك بالمعصية سواء عصى بالسرقة أو بالزّنى فكيف يتوجّع على البعض دون البعض فالندم حالة يوجبها العلم بكون المعصية مفوتة للمحبوب من حيث إنّها معصية فلا يتصوّر أن يكون على بعض المعاصي دون بعض و لو جاز هذا لجاز أن يتوب من شرب الخمر من أحد الدّنّين دون الآخر فإن استحال ذلك من حيث
المحجة