المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٨
(بيان اقسام الصبر بحسب اختلاف القوّة و الضعف)
اعلم أنّ باعث الدّين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال:
أحدها أن يقهر داعي الهوى
فلا تبقى له قوّة المنازعة و يتوصّل إليه بدوام الصبر، و عند هذا يقال: من صبر ظفر، و الواصلون إلى هذه الرّتبة هم الأقلّون فلا جرم هم الصدّيقون المقرّبون «الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا» فهؤلاء لازموا الطريق المستقيم و استووا على الصراط القويم و اطمأنّت نفوسهم على مقتضى بواعث الدّين و إيّاهم ينادي المنادي «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً».
الحالة الثانية أن تغلب دواعي الهوى
و تسقط بالكلّيّة منازعة باعث الدّين فيسلّم نفسه إلى جند الشيطان و لا يجاهد ليأسه عن المجاهدة، و هؤلاء هم الغافلون و هم الأكثرون و هم الّذين استرقّتهم شهواتهم و غلبت عليهم شقوقهم فحكموا أعداء اللّه في قلوبهم الّتي هي سرّ من أسرار اللّه و أمر من أمور اللّه، و إليهم الإشارة بقوله تعالى:
«وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ» [١] و هؤلاء هم الّذين اشتروا الحياة الدّنيا بالآخرة فخسرت صفقتهم. و قيل لمن قصد إرشادهم: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ» و هذه الحالة علامتها اليأس و القنوط، أو الغرور بالأمانيّ، و هو غاية الحمق كما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الكيّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت و الأحمق من اتّبع نفسه هواها و تمنّى على اللّه» [٢] و صاحب هذه الحالة إذا وعظ قال: أنا مشتاق إلى التوبة و لكنّها قد تعذّرت عليّ فلست أطمع فيها، أو لم يكن مشتاقا إلى التوبة و لكن قال: إنّ اللّه غفور رحيم كريم فلا حاجة به إلى توبتي، و هذا المسكين قد صار عقله رفيقا لشهوته، فلا يستعمل عقله إلّا في استنباط دقائق الحيل الّتي بها يتوصّل إلى قضاء شهواته، فقد صار عقله في يد شهواته كمسلم أسير في أيدي الكفّار، فهم يستسخرونه في رعاية الخنازير و حفظ الخمور و حملها،
[١] السجدة: ١٣.
[٢] أخرجه الحاكم في المستدرك ج ٤ ص ٢٥١ و قد تقدم في ذم الغرور.
المحجة