المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٧
يا ربّ تقبّل منّي. و سئل أيضا عن الاستغفار الّذي يكفّر الذّنوب فقال: أوّل الاستغفار الاستجابة، ثمّ الإنابة، ثمّ التوبة، فالاستجابة أعمال الجوارح، و الإنابة أعمال القلوب، و التوبة إقباله على مولاه بأن يترك الخلق ثمّ يستغفر من تقصيره الّذي هو فيه و من الجهل بالنعمة و ترك الشكر، فعند ذلك يغفر له و يكون عنده مأواه، ثمّ التنقّل إلى الانفراد، ثمّ الثبات، ثمّ البيان، ثمّ القرب، ثمّ المعرفة، ثمّ المناجاة، ثمّ المصافاة، ثمّ الموالاة، ثمّ محادثة السرّ و هو الخلّة، و لا يستقرّ هذا في قلب عبد حتّى يكون العلم غذاءه، و الذّكر قوامه، و الرضا زاده، و التوكّل صاحبه، ثمّ ينظر اللّه إليه فيرفعه إلى العرش فيكون مقامه مقام حملة العرش.
و سئل أيضا عن قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «التائب حبيب اللّه» فقال: إنّما يكون التائب حبيبا إذا كان فيه جميع ما ذكر في قوله تعالى: «التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ- الآية-» [١] و قال: الحبيب هو الّذي لا يدخل فيما يكرهه حبيبه و المقصود أنّ للتوبة ثمرتين إحداهما تكفير السيّئات حتّى يصير كمن لا ذنب له، و الثاني نيل الدّرجات حتّى يكون حبيبا، و للتكفير أيضا درجات فبعضها محو لأصل الذّنب بالكلّيّة، و بعضها تخفيف له و تفاوت ذلك بحسب درجات التوبة، فالاستغفار بالقلب و التدارك بالحسنات و إن خلا عن حلّ عقدة الإصرار من أوائل الدّرجات و ليس يخلو عن الفائدة أصلا فلا ينبغي أن يظنّ أنّ وجودها كعدمها، بل عرف أهل المشاهدة و أرباب القلوب معرفة لا ريب فيها أنّ قول اللّه تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ» [٢] صدق و أنّه لا تخلو ذرّة من الخير عن أثر كما لا تخلو شعيرة تطرح في الميزان عن أثر، و لو خلت الشعيرة الأولى عن أثر لكانت الثانية مثلها و لكان لا يرجّح الميزان بأحمال الذّرّات، و ذلك بالضرورة محال بل ميزان الحسنات يترجّح بذرّات الخير إلى أن يثقل و مثله كفّة السيّئات فإيّاك و أن تستصغر ذرّات الطاعات فلا تأتيها و ذرّات المعاصي فلا تتّقيها، كالمرأة الخرقاء تكسل عن الغزل تعلّلا بأنّها لا تقدر في كلّ ساعة إلّا على خيط واحد و أي غنى يحصل بخيط و ما وقع ذلك في
[١] التوبة: ١١٢.
[٢] الزلزال: ٧.
المحجة