المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٩١
لا تقدر على المشي على الماء فانصرف فقد جاوزت الأرض و خلّفت السفينة و لم يبق بين يديك إلّا الماء الصافي، و أوّل عالم الملكوت مشاهدة القلم الّتي يكتب به العلم و حصول اليقين الّذي يمشى به على الماء، أما سمعت قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في عيسى عليه السّلام «لو ازداد يقينا لمشى على الهواء» لمّا قيل له: إنّه كان يمشي على الماء [١] فقال السائل السالك: قد تحيّرت في أمري و استشعر قلبي خوفا ممّا وصفته من خطر الطريق و لست أدري أطيق قطع هذه المهامه الّتي وصفتها أم لا، فهل لذلك من علامة؟ فقال: نعم افتح بصرك و اجمع ضوء عينك و حدّقه نحوي فإن ظهر لك القلم الّذي به أكتب في لوح القلب فيشبه أن تكون أهلا لهذا الطريق، فإنّ كلّ من جاوز عالم الجبروت و قرع أوّل باب من أبواب الملكوت كوشف بالقلم، أما ترى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أوّل مرّة كوشف بالقلم إذا نزل عليه قوله تعالى: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ- إلى قوله- اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» [٢] فقال السالك: لقد فتحت بصري و حدقته فو اللّه ما أرى قصبا و لا خشبا و لا أعلم قلما إلّا كذلك، فقال العلم: لقد أبعدت النجعة[١]أما سمعت أنّ متاع البيت يشبه ربّ البيت أما علمت أنّ اللّه تعالى لا يشبه ذاته سائر الذّوات فكذلك لا يشبه يده سائر الأيدي و لا قلمه سائر الأقلام و لا خطّه سائر الخطوط و هذه أمور إلهيّة من عالم الملكوت فليس اللّه في ذاته بجسم، و لا هو في مكان بخلاف غيره، و لا يده لحم و عظم و دم بخلاف الأيدي، و لا قلمه من قصب، و لا لوحه من خشب، و لا كلامه بصوت و حرف، و لا خطّه رقم و رسم، و لا حبره زاج و عفص، فإن كنت لا تشاهد هذا هكذا فما أراك إلّا مخنّثا بين فحولة التنزيه و انوثة التشبيه، مذبذبا بين هذا و ذاك لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء، فكيف نزّهت ذاته تعالى و صفاته عن ذوات الأجسام و صفاتها و نزّهت كلامه عن معاني الحروف و الأصوات و أخذت تتوقّف في يده و قلمه و لوجه و خطّه فإن كنت قد فهمت من قوله: «إنّ اللّه خلق آدم على
[١] النجعة طلب الكلام في موضعه.
[١] تقدم سابقا.
[٢] العلق: ٢ إلى ٦.
المحجة