المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٦
(بيان دواء الرجاء و السبب الّذي يحصل منه حال الرّجاء و يغلب)
اعلم أنّ هذا الدواء يحتاج إليه أحد رجلين إمّا رجل غلب عليه اليأس فترك العبادة و إمّا رجل غلب عليه الخوف فأسرف في المواظبة على العبادة حتّى أضرّ بنفسه و أهله و هذان رجلان مائلان عن الاعتدال إلى طرفي الإفراط و التفريط فيحتاجان إلى علاج يردّهما إلى الاعتدال فأمّا العاصي المغرور المتمنّي على اللّه مع الإعراض عن العبادة و اقتحام المعاصي فأدوية الرّجاء تنقلب سموما في حقّه مهلكة و تنزل منزلة العسل الّذي هو شفاء لمن غلب عليه البرد و هو سمّ مهلك لمن غلب عليه الحرارة، بل المغرور لا يستعمل في حقّه إلّا أدوية الخوف و الأسباب المهيّجة له، فلهذا يجب أن يكون واعظ الخلق متلطّفا ناظرا إلى مواقع العلل معالجا لكلّ علّة بما يضادّها لا بما يزيد فيها، فإنّ المطلوب هو العدل و القصد في الصفات و الأخلاق كلّها و خير الأمور أوساطها فإذا جاوز الوسط إلى أحد الطرفين عولج بما يردّه إلى الوسط لا بما يزيد في ميله عن الوسط، و هذا الزمان زمان لا ينبغي أن يستعمل فيه مع الخلق أسباب الرّجاء بل المبالغة في التخويف أيضا تكاد أن لا تردّهم إلى جادّة الحقّ و سنن الصواب، فأمّا ذكر أسباب الرّجاء فيهلكهم و يرديهم بالكلّيّة و لكنّها لمّا كانت أخفّ على القلوب و ألذّ عند النفوس و لم يكن غرض الوعّاظ إلّا استمالة القلوب و استنطاق الخلق بالثناء كيف ما كانوا مالوا إلى الرجاء حتّى ازداد الفساد فسادا و ازداد المنهمكون في طغيانهم تماديا.
قال عليّ عليه السّلام: «إنّما العالم الّذي لا يقنط الناس من رحمة اللّه و لا يؤمنهم من مكر اللّه»[١]و نحن نذكر أسباب الرّجاء ليستعمل في حقّ الآيس أو فيمن غلب عليه الخوف اقتداء بكتاب اللّه تعالى و سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإنّهما مشتملان على الخوف و الرّجاء جميعا لأنّهما جامعان لأسباب الشفاء في حقّ أصناف المرضى، ليستعمله العلماء الّذين هم ورثة الأنبياء بحسب الحاجة استعمال الطبيب الحاذق
[١] رواه الكليني في الكافي ج ١ ص ٣٦ تحت رقم ٣ و فيه «و لم يؤمنهم من عذاب اللّه»
المحجة