المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٢
لا ينبغي أن يصبر إلى أن يسأل عنه بل ينبغي أن يتصدّى لدعوة الناس إلى نفسه فإنّهم ورثة الأنبياء و الأنبياء ما تركوا الناس على جهلهم بل كانوا ينادونهم في مجامعهم و يدورون على أبواب دورهم في الابتداء و يطلبون واحدا واحدا فيرشدونهم، فإنّ مرضى القلوب لا يعرفون مرضهم كما أنّ الّذي ظهر على وجهه برص و لا مرآة معه لا يعرف مرضه ما لم يعرفه غيره، و هذا فرض عين على العلماء كافّة، و على السلاطين كافّة أن يرتّبوا في كلّ قرية و كلّ محلّة فقيها متديّنا يعلّم الناس دينهم، فإنّ الخلق لا يولدون إلا جهّالا فلا بدّ من تبليغ الدّعوة إليهم في الأصل و الفرع فالدّنيا دار مرضى إذ ليس في بطن الأرض إلّا ميّت و لا على ظهرها إلّا سقيم و مرض القلوب أكبر من مرض الأبدان، و العلماء أطبّاء و السّلاطين قوّام دار المرضى، فكلّ مريض لم يقبل العلاج بمداواة العالم يسلّم إلى السلطان ليكفّ شرّه كما يسلّم الطبيب المريض الّذي لا يحتمي أو الّذي غلب عليه الجنون إلى القيّم ليقيّده بالسلاسل و الأغلال و يكفّ شرّه عن نفسه و عن سائر الناس، و إنّما صار مرض القلوب أكثر من مرض الأبدان لثلاث علل: إحداها أنّ المريض به لا يدري أنّه مريض، و الثانية أنّ عاقبته غير مشاهدة في هذا العالم بخلاف مرض البدن، فإنّ عاقبته موت مشاهد تنفر الطباع منه و ما بعد الموت غير مشاهد و عاقبة الذّنوب موت القلب و هو غير مشاهد في هذا العالم فقلّت النّفرة عن الذّنوب و إن علمها مرتكبها فلذلك تراه يتّكل على فضل اللّه في مرض القلب و يجتهد في علاج مرض البدن من غير اتّكال، و الثالثة- و هو الدّاء العضال- فقد الطبيب فإنّ الأطبّاء هم العلماء و قد مرضوا في هذه الأعصار مرضا شديدا عجزوا عن علاجه و صارت لهم سلوة في عموم المرض حتّى لا يظهر نقصانهم فاضطرّوا إلى إغواء الخلق و الإشارة عليهم بما يزيدهم مرضا، لأنّ الدّاء المهلك هو حبّ الدّنيا و قد غلب هذا الدّاء على الأطبّاء فلم يقدروا على تحذير الخلق منه استنكافا من أن يقال لهم: فما بالكم تأمرون بالعلاج و تنسون أنفسكم، فبهذا السّبب عمّ الدّاء و عظم الوباء و انقطع الدّواء و هلك الخلق لفقد الأطبّاء، بل اشتغل الأطبّاء بفنون الاغواء، فليتهم إذ لم يصلحوا لم
المحجة