المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٦
اللّه» [١] و كان بعضهم يقول: أستغفر اللّه من قولي أستغفر اللّه. و قيل: الاستغفار باللّسان توبة الكذّابين، و قالت رابعة العدوية: استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير؟
فاعلم أنّه قد ورد في فضل الاستغفار أخبار خارجة عن الحصر ذكرناها في كتاب الأذكار و الدّعوات حتّى قرن اللّه الاستغفار ببقاء الرّسول فقال: «وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» [٢] فكان بعض الصحابة [٣] يقول: كان لنا أمانان ذهب أحدهما و هو كون الرّسول فينا و بقي الاستغفار فإن ذهب هلكنا. فنقول: الاستغفار الّذي هو توبة الكذّابين هو الاستغفار بمجرّد اللّسان من غير أن يكون للقلب فيه شركة كما يقول الإنسان بحكم العادة و عن رأس الغفلة: أستغفر اللّه و كما يقول إذا سمع صفة النار: نعوذ باللّه منها، من غير أن يتأثّر به قلبه و هذا يرجع إلى مجرّد حركة اللّسان و لا جدوى له فأمّا إذا انضاف إليه تضرّع القلب إلى اللّه تعالى و ابتهاله في سؤال المغفرة عن صدق إرادة و خلوص نيّة و رغبة فهذه حسنة في نفسها فتصلح لأن تدفع بها السيّئة و على هذا تحمل الأخبار الواردة في فضل الاستغفار حتّى قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما أصرّ من استغفر و لو عاد في اليوم سبعين مرّة» [٤] و هو عبارة عن الاستغفار بالقلب.
و للتوبة و الاستغفار درجات و أوائلها لا تخلو عن الفائدة و إن لم ينته إلى أواخرها و لذلك قال سهل: لا بدّ للعبد في كلّ حال من مولاه فأحسن أحواله أن يرجع إليه في كلّ شيء، فإن عصى قال: يا ربّ استر عليّ، فإذا فرغ من المعصية قال: يا ربّ تب عليّ، فإذا تاب قال: يا ربّ ارزقني العصمة، و إذا عمل طاعة قال:
[١] أخرجه البيهقي في الشعب و ابن عساكر عن ابن عباس بسند ضعيف كما في الجامع الصغير.
[٢] الانفال: ٣٣.
[٣] أخرجه الترمذي عن أبي موسى الأشعري أنه قال هذا القول. و أخرج أبو الشيخ و الحاكم و صححه و البيهقي في الشعب أن قائله أبو هريرة. و البيهقي في طريق آخر أنه ابن عباس رضى اللّه عنه. راجع الدر المنثور ج ٣ ص ١٨٢.
[٤] أخرجه الترمذي ج ١٣ ص ٦٩ و قد تقدم في الدعوات.
المحجة