المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٢
الّذين قال اللّه تعالى فيهم: «وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً» [١] فأمره من حيث مواظبته على الطاعات و كراهيته لما يتعاطاه مرجوّ فعسى اللّه أن يتوب عليه و عاقبته مخطرة من حيث تسويفه و تأخيره، فربّما يختطف قبل التوبة و يقع أمره في المشيّة، فإن تداركه اللّه بفضله و جبر كسره و امتنّ عليه بالتوبة التحق بالسابقين و إن غلبته شقوته و قهرته شهوته فيخشى أن يحقّ عليه في الخاتمة ما سبق عليه من القول في الأزل لأنّه مهما تعذّر على المتفقّه مثلا الاحتراز عن شواغل التعلّم دلّ تعذّره على أنّه سبق له في الأزل أن يكون من الجاهلين فيضعف الرّجاء في حقّه، و إذا يسّرت له أسباب المواظبة على التحصيل دلّ على أنّه سبق له في الأزل أن يكون من جملة العالمين فكذلك ارتباط سعادات الآخرة و دركاتها بالحسنات و السيّئات بحكم تقدير مسبّب الأسباب كارتباط المرض و الصحّة بتناول الأغذية و الأدوية و ارتباط حصول فقه النفس الّذي به تستحقّ المناصب العليّة في الدّنيا بترك الكسل و المواظبة على تفقيه النفس، فكما لا يصلح لمنصب الرّئاسة و القضاء و التقدّم بالعلم إلّا نفس صارت فقيهة بطول التفقيه، فلا يصلح لملك الآخرة و نعيمها و لا القرب من ربّ العالمين إلّا قلب سليم صار طاهرا بطول التزكية و التطهير هكذا سبق في الأزل تدبير ربّ الأرباب و لذلك قال تعالى:
«وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها. فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها. وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» [٢] فمهما وقع العبد في ذنب فصار الذّنب نقدا و التوبة نسيئة كان هذا من علامات الخذلان قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ العبد ليعمل بعمل أهل الجنّة سبعين سنة حتّى يقول الناس: إنّه من أهلها و لا يبقى بينه و بينها إلّا شبر فيسبق عليه الكتاب فليعمل بعمل أهل النار فيدخلها» [٣] فإذن الخوف من الخاتمة قبل التوبة و كلّ نفس فهو خاتمة ما قبله إذ يمكن أن يكون الموت متّصلا به فليراقب الأنفاس و إلّا وقع المحذور و دامت الحسرات حين لا ينفع التحسّر.
[١] التوبة: ١٠٢.
[٢] الشمس: ٧ إلى ١٠.
[٣] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٧٦ باب القدر. و فيه «ذراع» مكان «شبر».
المحجة