المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨١
أي الحين بعد الحين، و كلّ ذلك أدلّة قاطعة على أنّ هذا القدر لا ينقض التوبة و لا يلحق صاحبها بدرجة المصرّين، و من يؤيس مثل هذا عن درجة التائبين كالطبيب الّذي يؤيس الصحيح عن دوام الصحّة بما يتناوله من الفواكه و الأطعمة الحارّة مرّة بعد أخرى من غير مداومة و استمرار، و كالفقيه الّذي يؤيس المتفقّه عن نيل درجة الفقهاء بفتوره عن التكرار و التعليق في أوقات نادرة غير متطاولة و لا كثيرة، و ذلك يدلّ على نقصان الطبيب و الفقيه، بل الفقيه في الدّين هو الّذي لا يؤيس الخلق عن درجات السعادات بما يتّفق لهم من الفترات و مقارفة السيّئات المختطفات قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «كلّ بني آدم خطّاء و خير الخطّائين التوّابون المستغفرون» [١].
و قال أيضا: «المؤمن واه راقع فخيرهم من مات على رقعه»[١]أي واه بالذّنوب راقع بالتوبة و الندم.
و قال تعالى: «أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ» [٢] فما وصفهم بعدم السيّئة أصلا.
الطبقة الثالثة أن يتوب و يستمرّ على الاستقامة مدّة ثمّ تغلبه شهوته
في بعض الذّنوب فيقدم عليها عن صدق و قصد شهوة لعجزه عن قهر الشهوة إلّا أنّه مع ذلك مواظب على الطاعات و تارك جملة من الذّنوب مع القدرة و الشهوة و إنّما قهرته هذه الشهوة الواحدة أو الشهوتان و هو يودّ لو أقدره اللّه على قمعها و كفاه شرّها هذا امنيّته في حال قضاء الشهوة و عند الفراغ يتندّم و يقول: ليتني لم أفعله و سأتوب عنه و أجاهد نفسي في قهرها، لكنّه تسوّل نفسه و يسوّف توبته مرّة بعد أخرى و يوما بعد يوم، فهذه النفس هي الّتي تسمّى النفس المسوّلة صاحبها من
[١] رواه الطبراني في الصغير و الأوسط و البزار أيضا من حديث جابر و قال الطبراني: معنى واه يعنى مذنب و راقع يعنى تائب مستغفر و في سنده ضعف كما في مجمع الزوائد ج ١٠ ص ٢٠١ لمقام الخالد الخزاعي
[١] أخرجه الترمذي و استغربه و ابن ماجه تحت رقم ٤٢٥١ و الحاكم ج ٤ ص ٢٤٤ و صحح اسناده و أخرجه أحمد من حديث أنس كما في الفتح الرباني ج ١٩ ص ٣٣٧.
[٢] القصص: ٥٤.
المحجة