المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٩
(بيان أقسام العباد في دوام التوبة)
اعلم أنّ طبقات التائبين أربع طبقات:
الطبقة الأولى أن يتوب العاصي و يستقيم على التوبة إلى آخر عمره
فيتدارك ما فرط من أمره و لا يحدّث نفسه بالعود إلى ذنوبه إلّا الزّلّات الّتي لا ينفكّ البشر عنها في العادات مهما لم يكن في رتبة النبوّة فهذا هو الاستقامة على التوبة و صاحبه هو السابق بالخيرات المستبدل بالسيّئات حسنات و اسم هذه التوبة التوبة النصوح و اسم هذه النفس الساكنة النفس المطمئنّة الّتي ترجع إلى ربّها راضية مرضيّة و هؤلاء هم الّذين إليهم الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «سبق المفردون المستهترون[١]بذكر اللّه وضع الذّكر أوزارهم فوردوا القيامة خفافا» [١] فإنّ فيه إشارة إلى أنّهم كانوا تحت أوزار وضعها الذكر عنهم و أهل هذه الطبقة على رتب من حيث النزوع إلى الشهوات، فمن تائب سكنت شهواته تحت قهر المعرفة ففتر نزاعها و لم يشغله عن السلوك صراعها، و إلى من لا ينفكّ عن منازعة النفس و لكنّه مليء بمجاهدتها و ردّها، ثمّ تتفاوت درجات النزاع أيضا بالكثرة و القلّة و باختلاف المدّة و باختلاف الأنواع و كذلك يختلفون من حيث طول العمر فمن مختطف قريبا من توبته يغبط على ذلك لسلامته و موته قبل الفترة، و من ممهل طال جهاده و صبره و تمادت استقامته و كثرت حسناته و حال هذا أعلى و أفضل إذ كلّ سيّئة فإنّما تمحوها حسنة حتّى قال بعض العلماء: إنّما يكفّر الذّنب الّذي ارتكبه العاصي عشر مرّات أن يتمكّن منه عشر مرّات مع صدق الشهوة ثمّ يصبر عنه و يكسر شهوته خوفا من اللّه تعالى و اشتراط هذا بعيد و إن كان لا ينكر عظيم أثره لو فرض، و لكن لا ينبغي للمريد الضعيف أن يسلك هذا الطريق فيهيّج الشهوة و تحضر الأسباب حتّى يتمكّن ثمّ يطمع في الانكفاف فإنّه لا يؤمن خروج عنان الشهوة عن اختياره فيقدم على المعصية و ينقض توبته بل طريقها الفرار من ابتداء أسبابه الميسّرة له حتّى يسدّ طريقها على نفسه و يسعى مع ذلك في كسر شهوته بما يقدر عليه فبه تسلم توبته في الابتداء.
[١] استهتر فيه أولع به و لا بتحدث بغيره و لا يفعل غيره.
[١] أخرجه الترمذي ج ١٣ ص ٨٨.
المحجة