المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٧
فاعلم أنّ هذا أيضا قد اختلفوا فيه فقال بعضهم: حقيقة التّوبة أن تنصب ذنبك بين عينيك. و قال آخر: حقيقة التوبة أن تنسي ذنبك و كلّ واحد من المذهبين عندنا حقّ و لكن بالإضافة إلى حالين و كلام المتصوّفة أبدا يكون قاصرا فإنّ عادة كلّ واحد منهم أن يخبر عن حال نفسه فقطّ و لا يهمّه حال غيره، فتختلف الأجوبة لاختلاف الأحوال، و هذا نقصان بالإضافة إلى درجة العلم فإنّ معرفة الأشياء على ما هو عليه أفضل و أعلى و لكنّه كمال بالإضافة إلى الهمّة و الإرادة و الجدّ حيث يكون صاحبه مقصور النظر على حال نفسه لا يهمّه أمر غيره إذ طريقه إلى اللّه نفسه و منازله أحواله، و قد يكون طريق العبد إلى اللّه العلم و التعليم فالطرق إلى اللّه كثيرة و إن كانت مختلفة في القرب و البعد، و اللّه أعلم بمن هو أهدى سبيلا مع الاشتراك في أصل الهداية.
فأقول: تصوّر الذّنب و ذكره و التفجّع عليه كمال في حقّ المبتدي المريد، لأنّه إذا نسيه لم يكثر احتراقه فلا تقوى إرادته و انبعاثه لسلوك الطريق و لأنّ ذلك يستخرج منه الحزن و الخوف الوازع عن الرّجوع إلى مثله فهو بالإضافة إلى الغافل كمال و لكنّه بالإضافة إلى سالك الطريق نقصان فإنّه شغل مانع عن سلوك الطريق بل سالك الطريق ينبغي أن لا يعرّج على غير السّلوك فإن ظهر له مبادي الوصول و انكشف له أنوار المعرفة و لوامع الغيب استغرقه ذلك، و لم يبق فيه متّسع للالتفات إلى ما سبق من أحواله و هو الكمال، بل لو عاق المسافر عن الطريق إلى بلدة من البلاد نهر حاجز طال تعب المسافر في عبوره من حيث إنّه كان قد خرب جسره من قبل فلو جلس على شاطئ النّهر بعد عبوره يبكي متأسّفا على تخريبه الجسر كان هذا مانعا آخر اشتغل به بعد الفراغ من ذلك المانع نعم إن لم يكن الوقت وقت الرّحيل بأن كان ليلا فتعذّر السلوك و كان على طريقه أنهار و هو يخاف على نفسه أن يمرّ بها فليطل باللّيل بكاؤه و حزنه على تخريب الجسر ليتأكّد بطول الحزن عزمه على أن لا يعود إلى مثله، فإن حصل له من التنبّه ما وثق بنفسه أنّه لا يعود إلى مثله فسلوك الطريق أولى به من الاشتغال بذكر تخريب الجسر و البكاء
المحجة