المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٣
و كذلك قد يتوب عن الكبائر الّتي لا تتعلّق بالعباد كما يتوب عن شرب الخمر دون الزّنى مثلا إذ يتّضح له أنّ الخمر مفتاح الشرور، و أنّه إذا زال عقله ارتكب جميع المعاصي و هو لا يدري فبحسب ترجّح شرب الخمر عنده ينبعث منه خوف يوجب ذلك تركا في المستقبل و ندما على الماضي.
الثالث أن يتوب عن صغيرة و هو مصرّ على كبيرة
يعلم أنّها كبيرة كالّذي يتوب عن الغيبة أو عن النظر إلى غير المحرم أو ما يجري مجراه و هو مصرّ على شرب الخمر و هو أيضا ممكن و وجه إمكانه أنّه ما من مؤمن إلّا و هو خائف من معاصيه و نادم على فعله ندما إمّا ضعيفا و إمّا قويّا و لكن تكون لذّة نفسه في تلك المعصية أقوى من ألم قلبه في الخوف منها لأسباب توجب ضعف الخوف من الجهل و الغفلة و أسباب توجب قوّة الشهوة فيكون الندم موجودا و لكن لا يكون مليّا بتحريك العزم و لا قويّا عليه فإن سلم عن شهوة أقوى منه بأن لم يعارضه إلّا ما هو أضعف قهر الخوف الشهوة و غلبها و أوجب ذلك ترك المعصية و قد تشتدّ ضراوة الفاسق بالخمر فلا يقدر على الصبر عنها و تكون له ضراوة ما بالغيبة و ثلب الناس و النظر إلى غير المحرم و خوفه من اللّه قد بلغ مبلغا يقمع هذه الشهوة الضعيفة دون القويّة فيوجب عليه جند الخوف انبعاث العزم للترك بل يقول هذا الفاسق في نفسه: إن قهرني الشيطان بواسطة غلبة الشهوة في بعض المعاصي فلا ينبغي أن أخلع العذار و أرخى العنان بالكلّيّة بل اجاهده في بعض المعاصي فعساني أغلبه فيكون قهري له في البعض كفّارة لبعض ذنوبي و لو لم يتصوّر هذا لما تصوّر من الفاسق أن يصوم و يصلّي و لقيل له: إن كانت صلاتك لغير اللّه فلا تصحّ و إن كانت للَّه فاترك الفسق للَّه فإنّ أمر اللّه فيه واحد فلا يتصوّر أن تقصد بصلاتك التقرّب إلى اللّه ما لم تتقرّب بترك الفسق و هذا محال بل يقول: للَّه عليّ أمران ولي على المخالفة فيهما عقوبتان و أنا مليء في أحدهما بقهر الشيطان عاجز عنه في الآخر، فأقهره فيما أقدر عليه و أرجو بمجاهدتي فيه أن يكفّر عنّي بعض ما عجزت عنه بفرط شهوتي، فكيف لا يتصوّر هذا و هو حال كلّ مسلم إذ لا مسلم إلّا و هو جامع بين طاعة اللّه و معصيته و لا سبب له إلّا هذا و إذا فهم
المحجة