المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٨
يعلم قطعا أنّه لم يتصوّر أن تخطر بباله قبل ذلك صورته فالدّنيا حجاب على التحقيق و برفعه ينكشف الغطاء فعند ذلك يدرك ذوق الحياة الطيبة «وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» فهذا القدر كاف في بيان توزّع الدّرجات على الحسنات و السيّئات.
(بيان ما تعظم به الصغائر من الذنوب)
اعلم أنّ الصغيرة تكبر بأسباب
منها الإصرار و المواظبة
و لذلك قيل: لا صغيرة مع إصرار و لا كبيرة مع استغفار، فكبيرة واحدة تنصرم و لا يتبعها مثلها لو تصوّر ذلك كان العفو عنها أرجى من صغيرة يواظب العبد عليها، و مثال ذلك قطرات من الماء تقع على الحجر على توال فتؤثّر فيه و ذلك القدر من الماء لو صبّ عليه دفعة واحدة لم يؤثّر و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «خير الأعمال أدومها و إن قلّ» [١] و الأشياء تستبان بأضدادها فإذا كان النافع من العمل هو الدّائم و إن قلّ فالكثير المنصرم قليل النفع في تنوير القلب و تطهيره فكذلك القليل من السيّئات إذا دام عظم تأثيره في إظلام القلب إلّا أنّ الكبيرة قلّ ما يتصوّر الهجوم عليها بغتة من غير سوابق و لواحق من جملة الصغائر فقلّ ما يزني الزّاني بغتة من غير مراودة و مقدّمات و قلّ ما يقتل بغتة من غير مشاحنة سابقة و معاداة، فكلّ كبيرة تكتنفها صغائر سابقة و لاحقة و لو يتصوّر كبيرة وحدها بغتة و لم يتّفق إليها عود ربّما كان العفو فيها أرجى من صغيرة واظب الإنسان عليها عمره.
(١) أقول: روى في الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: «لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار» [٢].
و عنه عليه السّلام قال: «لا و اللّه لا يقبل شيئا من طاعته على الإصرار على شيء من معاصيه» [٣].
و عن الباقر عليه السّلام في قوله تعالى: «وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» [٤]
[١] متفق عليه في الصحيحين من حديث عائشة كما تقدم بلفظ «أحب الاعمال».
[٢] المصدر ج ٢ ص ٢٨٨ تحت رقم ١.
[٣] المصدر ج ٢ ص ٢٨٨ تحت رقم ٣.
[٤] آل عمران: ١٣٥.
المحجة