المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٢
به البلوغ و الكمال و أن يحصل في قلبه النور الّذي به يدرك أرواح الجواهر و سائر الأموال فعند ذلك ينكشف له الصدق و العارف عاجز عن تفهيم المقلّد القاصر صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في هذه الموازنة إذ يقول: «الجنّة في السماوات»[١]كما ورد في الأخبار و السماوات من الدّنيا فكيف يكون عشرة أمثال الدّنيا في الدّنيا، و هذا كما يعجز البالغ عن تفهيم الصبيّ تلك الموازنة و كذلك تفهيم البدويّ و كما أنّ الجوهريّ مرحوم إذا بلي بالبدويّ و القرويّ في تفهيم تلك الموازنة فالعارف مرحوم إذا بلي بالبليد الأبله في تفهيم هذه الموازنة و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«ارحموا ثلاثة: عالما بين الجهّال، و غنيّ قوم افتقر و عزيز قوم ذلّ» [١]، و الأنبياء مرحومون بين الامّة بهذا السبب و مقاساتهم لقصور عقول الامّة فتنة لهم و امتحان و ابتلاء من اللّه و بلاء موكّل بهم سبق بتوكيله القضاء الأزلي و هو المعنيّ بقوله عليه السّلام «البلاء موكّل بالأنبياء ثمّ الأولياء ثمّ الأمثل فالأمثل» [٢] فلا تظننّ أنّ البلاء بلاء أيّوب عليه السّلام و هو الّذي ينزل بالبدن فإنّ بلاء نوح عليه السّلام أيضا من البلاء العظيم إذ بلي بجماعة كان لا يزيدهم دعاؤه إلى اللّه إلّا فرارا، و لذلك لما تأذّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بكلام بعض الناس قال: «رحم اللّه أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» [٣] فإذن كما لا يخلو الأنبياء عن الابتلاء بالجاحدين فلا يخلو الأولياء و العلماء عن الابتلاء بالجاهلين، و لذلك قلّ ما ينفكّ الأولياء عن ضروب من الإيذاء و أنواع البلايا بالإخراج من البلاد و السعاية بهم إلى السلاطين و الشهادة عليهم بالكفر و الخروج عن الدّين و واجب أن يكون أهل المعرفة عند أهل الجهل من الكافرين كما يجب أن يكون المعتاض عن الجمل الكبير جوهرة صغيرة عند الجاهلين من
[١] روى البخاري ج ٩ ص ١٥٣ في حديث هكذا «إذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة و أعلى الجنة و فوقه عرش الرحمن و منه تفجر أنهار الجنة». و يفهم منه أن الجنة دون العرش و كون العرش فوق السماوات ظاهر الاخبار.
[١] أخرجه ابن حبان في الضعفاء من رواية عيسى بن طهمان عن أنس.
[٢] أخرجه الترمذي ج ٩ ص ٢٤٣ من حديث سعد بن أبي وقاص و صححه.
[٣] أخرجه البخاري ج ٧ ص ١١٩ و أحمد من حديث ابن مسعود بسند صحيح.
المحجة