المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥١
لم يتوسّخ أصلا، و إن مات قبل التوبة فهذا أمره مخطر عند الموت، إذ ربّما يكون موته على الإصرار سببا لتزلزل إيمانه فيختم له بسوء الخاتمة لا سيّما إذا كان إيمانه تقليديّا فإنّ التقليد و إن كان جزما فهو قابل للانحلال بأدنى شكّ و خيال، و العارف البصير أبعد من أن يخاف عليه سوء الخاتمة و كلاهما إن ماتا على الإيمان يعذّبان- إلّا أن يعفو اللّه- عذابا يزيد على عذاب المناقشة في الحساب، و تكون كثرة العذاب من حيث المدّة بحسب كثرة مدّة الإصرار، و من حيث الشدّة بحسب قبح الكبائر، و من حيث اختلاف النوع بحسب اختلاف أصناف السيّئات، و عند انقضاء مدّة العقاب ينزل البله المقلّدون في درجات أصحاب اليمين و العارفون المستبصرون في أعلى علّيّين، ففي الخبر «آخر من يخرج من النار يعطى مثل الدّنيا كلّها عشرة أضعاف» [١] و لا تظننّ أنّ المراد به تقديره بالمساحة لأطراف الأجسام كأن يقابل فرسخ بفرسخين أو عشرة بعشرين فإنّ هذا جهل بطريق ضرب الأمثال بل هذا كقول القائل أخذ منه جملا و أعطاه عشرة أمثاله، و كان الجمل يساوي عشرة دنانير فأعطاه مائة دينار فإن لم يفهم من المثل إلّا المثل في الوزن و الثقل فلا تكون مائة دينار لو وضعت في كفّة الميزان و الجمل في الكفّة الأخرى عشر عشيره بل هو موازنة معاني الأجسام و أرواحها دون أشخاصها و هياكلها فإنّ الجمل لا يقصد لثقله و طوله و عرضه و مساحته بل لماليّته فروحه الماليّة و جسمه اللّحم و الدّم و مائة دينار عشرة أمثاله بالموازنة الروحانيّة لا بالموازنة الجسمانيّة، و هذا صادق عند من يعرف روح الماليّة من الذّهب و الفضّة بل لو أعطاه جوهرة وزنها مثقال و قيمتها مائة دينار و قال: أعطيته عشرة أمثاله كان صادقا و لكن لا يدرك صدقه إلّا الجوهريّ فإنّ روح الجوهريّة لا تدرك بمجرّد البصر بل بفطنة أخرى وراء البصر فلذلك يكذّب به الصبيّ بل القروي و البدويّ و يقول: ما هذه الجوهرة إلّا حجر وزنه مثقال و وزن الجمل ألف ألف مثقال فقد كذب في قوله إنّي أعطيت عشرة أمثاله و الكاذب بالتحقيق هو الصبيّ و لكن لا سبيل إلى تحقيق ذلك عنده إلّا بأن ينتظر
[١] أخرجه مسلم ج ١ ص ١١٩.
المحجة