المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٨
قصّر في الوفاء بمقتضاه فإنّ رأس الإيمان هو التوحيد و هو أن لا يعبد إلّا اللّه، و من اتّبع هواه فقد اتّخذ إلهه هواه فهو موحّد بلسانه لا بالحقيقة، بل معنى قولك: «لا إله إلّا اللّه» معنى قوله تعالى: «قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ» [١] و هو أن تذر بالكلّية غير اللّه و معنى قوله «الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا» [٢] و لمّا كان الصراط المستقيم الّذي لا يكمل التوحيد إلّا بالاستقامة عليه أدقّ من الشعر و أحدّ من السيف مثل الصراط الموصوف في الآخرة فلا ينفكّ بشر عن ميل عن الاستقامة و لو في أمر يسير، إذا لا يخلو عن اتّباع الهوى و لو في فعل قليل و ذلك قادح في كمال التوحيد بقدر ميله عن الصراط المستقيم فذلك يقتضي لا محالة نقصانا في درجة القرب و مع كلّ نقصان ناران نار الفراق لذلك الكمال الفائت بالنقصان، و نار جهنّم كما وصفها القرآن فيكون كلّ مائل عن الصراط المستقيم معذّبا مرّتين من وجهين و لكن شدّة ذلك العذاب و خفّته و تفاوته بحسب طول المدّة إنّما يكون بسبب أمرين أحدهما قوّة الإيمان و ضعفه، و الثاني كثرة اتّباع الهوى و قلّته و إذ لا يخلو بشر في غالب الأمر عن واحد من الأمرين قال اللّه تعالى: «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» [٣] و لذلك قال الخائفون من السلف: إنّما خوفنا لأنّا تيقّنا أنّا على النار واردون و شككنا في النجاة، و لما روى الحسن الخبر الوارد فيمن يخرج من النار بعد ألف عام و أنّه ينادي يا حنّان يا منّان. [٤] قال الحسن: يا ليتني كنت ذلك الرجل. و اعلم أنّ في الأخبار ما يدلّ على أنّ آخر من يخرج من النار بعد سبعة آلاف سنة و أنّ الاختلاف في المدّة بين اللّحظة و بين سبعة آلاف سنة حتى يجوز بعضهم على النار كبرق خاطف و لا يكون له فيها لبث، و بين اللّحظة و بين سبعة
[١] الانعام: ٩١.
[٢] فصلت: ٣٠.
[٣] مريم: ٧١ و ٧٢.
[٤] قال العراقي: أخرجه أحمد و أبو يعلى من رواية أبي ظلال القسملى عن أنس و أبو ظلال ضعيف و اسمه هلال بن ميمون.
المحجة