المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٧
لذيذا و ذلك لمن استرقته صفات البهائم و السباع و لم تظهر فيه الصفات الملكيّة الّتي لا يناسبها و لا يلدّها إلّا القرب من ربّ العالمين، و لا يؤلمها إلّا البعد و الحجاب، و كما لا يكون الذّوق إلّا في اللّسان و السمع إلّا في الآذان فلا تكون هذه الصفة إلّا في القلب، فمن لا قلب له ليس له هذا الحسّ كمن لا سمع له و لا بصر ليس له لذّة الألحان و حسن الصور و الألوان و ليس لكلّ إنسان قلب و لو كان لما صحّ قوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» [١] فجعل من لم يتذكّر بالقرآن مفلسا من القلب، و لست أعني بالقلب هذا اللّحم الّذي تكتنفه عظام الصدر، بل أعني به السرّ الّذي هو من عالم الأمر و هذا اللّحم الّذي هو من عالم الخلق عرشه و الصدر كرسيّه و ساير الأعضاء عالمه و مملكته و للَّه الخلق و الأمر جميعا و لكن ذلك السرّ هو الّذي قال اللّه تعالى فيه: «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» و هو الملك و الأمير لأنّ بين عالم الأمر و بين عالم الخلق ترتيبا، و عالم الأمر أمير على عالم الخلق و هي اللّطيفة الّتي إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، من عرفها فقد عرف نفسه و من عرف نفسه فقد عرف ربّه، و عند ذلك يشمّ العبد مبادي روائح المعنى المطويّ تحت قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللّه خلق آدم على صورته» و ينظر بعين الرّحمة على الجامدين على ظاهر لفظه و إلى المتعسّفين في طرق تأويله و إن كانت رحمته للجامد على اللّفظ أكثر من رحمته للمتعسّف في التأويل لأنّ الرّحمة على قدر المصيبة و مصيبة أولئك أكثر و إن اشتركوا في مصيبة الحرمان من حقيقة الأمر فالحقيقة فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم، و هي حكمته يخصّ بها من يريد «وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً» و لنعد إلى الغرض فقد أرخينا الطول و طوّلنا النفس في أمر هو أعلى من علوم المعاملة الّتي نقصدها في هذا الكتاب فقد ظهر أنّ رتبة الهلاك ليست إلّا للجهّال المكذّبين و شهادة ذلك من كتاب اللّه تعالى و سنّة رسوله لا تدخل تحت الحصر فلذلك لم نورده.
الرّتبة الثانية: رتبة المعذّبين
و هذه رتبة من تحلّى بأصل الإيمان و لكن
[١] سورة ق: ٣٧.
المحجة