المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٤
عن معرفة أسرار اللّه تعالى فقال: «وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ» و لا يدري المسكين أنّ من قال: رأيت في منامي أنّه قد جيء بكبش و قيل: هذا هو الوباء الّذي في البلد و ذبح، فقال المعبّر: صدقت و الأمر كما رأيت و هذا يدلّ على أنّ الوباء ينقطع و لا يعود قطّ لأنّ المذبوح وقع اليأس منه، فإذن المعبّر صادق في تصديقه و هو صادق في رؤيته و ترجع حقيقته إلى أنّ الملك الموكّل بالرّؤيا و هو الّذي يطلع الأرواح عند النوم على ما في اللّوح المحفوظ عرفه بما في اللّوح المحفوظ بمثال ضربه له لأنّ النائم إنّما يحتمل المثال فكان مثاله صادقا و كان معناه صحيحا فالرّسل أيضا إنّما يكلّمون الناس في الدّنيا و هي بالإضافة إلى الآخرة نوم فيوصلون المعاني إلى أفهامهم بالأمثلة حكمة من اللّه و لطفا بعباده و تيسيرا لإدراك ما يعجزون عن إدراكه دون ضرب المثل فقوله: «يؤتى بالموت في صورة كبش أملح» مثال ضربه ليوصل إلى الأفهام حصول اليأس من الموت و قد جبلت القلوب عن التأثّر بالأمثلة و ثبوت المعاني فيها بواسطتها و لذلك عبّر القرآن بقوله: «كُنْ فَيَكُونُ»* عن نهاية القدرة و عبّر صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقوله: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن» عن سرعة التقليب و قد أشرنا إلى حكمة ذلك في كتاب قواعد العقائد من ربع العبادات، فلنرجع الآن إلى الغرض فالمقصود أنّ تعريف توزّع الدّرجات و الدّركات على الحسنات و السّيئات لا يمكن إلّا بضرب الأمثال فليفهم من المثل الّذي نضربه معناه لا صورته فنقول:
الناس في الآخرة ينقسمون أصنافا و تتفاوت درجاتهم و دركاتهم في السعادة و الشقاوة تفاوتا لا يدخل تحت الحصر كما تفاوتت في سعادة الدّنيا و شقاوتها و لا تفارق الآخرة الدّنيا في هذا المعنى أصلا البتّة، فإنّ مدبّر الملك و الملكوت واحد لا شريك له فسنّته الصّادرة عن إرادته الأزليّة مطّردة لا تبديل لها إلّا أنّا إن عجزنا عن إحصاء آحاد الدّرجات فلا نعجز عن الأجناس فنقول: الناس في الآخرة ينقسمون بالضرورة إلى أربعة أقسام هالكين و معذّبين و ناجين و فائزين، و مثاله في الدّنيا أن يستولي ملك من الملوك على إقليم فيقتل بعضهم فهم الهالكون و يعذّب بعضهم
المحجة