المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٢٨
من الدّنيا و لا يفرح بما يأتي بل قد يكون على العكس منه فكيف يصحّ له التوكّل نعم قد صحّ له مقام الصبر إن أخفاه و لم يظهر شكواه و لم يكثر سعيه في الطلب و التجسّس و إن كان لا يقدر على ذلك حتّى تأذّى بقلبه و أظهر الشكوى بلسانه و استقصى الطلب بنفسه فقد كانت السرقة مزيدا له في ذنبه من حيث إنّها ظهر له قصوره عن جميع المقامات و كذبه في جميع الدّعاوي فبعد هذا ينبغي أن يجتهد حتّى لا يصدق نفسه في دعاويها و لا يتدلّى بحبل غرورها فإنّها خدّاعة أمّارة بالسوء و مدّعية للخير.
فإن قلت: فكيف يكون للمتوكّل مال حتّى يؤخذ؟ فأقول: المتوكّل لا يخلو بيته عن متاع كقصعة يأكل فيها و كوز يشرب منه و إناء يتوضّأ منه و جراب يحفظ به زاده و عصا يدفع به عدوّه و غير ذلك من ضرورات المعيشة من أثاث البيت و قد يدخل في يده مال و هو يمسكه ليجد محتاجا فيصرفه إليه فلا يكون ادّخاره على هذه النيّة مبطلا لتوكّله و ليس من شرط التوكّل إخراج الكوز الّذي يشرب منه و الجراب الّذي فيه زاده و إنّما ذلك في المأكول و في كلّ مال زائد على قدر الضرورة لأنّ سنّة اللّه جارية بوصول الخير إلى الفقراء المتوكّلين في زوايا المساجد و ما جرت السنّة بتفرقة الكيزان و الأمتعة في كلّ يوم و لا في كلّ أسبوع و الخروج عن سنّة اللّه ليس شرطا في التوكّل.
فإن قلت: فكيف يتصوّر أن لا يحزن إذا أخذ متاعه الّذي هو محتاج إليه و لا يتأسّف عليه فإن كان لا يشتهيه فلم أمسكه و أغلق الباب عليه و إن أمسكه لأنّه يشتهيه لحاجته إليه فكيف لا يتأذّى و لا يحزن و قد حيل بينه و بين ما يشتهيه؟ فأقول: إنّما كان يحفظه ليستعين به على دينه إذا كان يظنّ أنّ الخيرة له في أن يكون له ذلك المتاع و لو لا أنّ الخيرة له فيه لما رزقه اللّه و لما أعطاه فاستدلّ على ذلك بتيسير اللّه و حسن الظنّ باللّه مع ظنّه أنّ ذلك معين له على أسباب دينه و لم يكن ذلك عنده مقطوعا به إذ يحتمل أن يكون خيرته في أن يبتلى بفقد ذلك حتّى ينصب في تحصيل غرضه و يكون ثوابه في النصب و التعب أكثر، فلمّا أخذه اللّه منه بتسليط اللّصّ ما تغيّر قلبه لأنّه في جميع الأحوال واثق باللّه حسن الظنّ به فيقول: لو لا أنّ اللّه تعالى
المحجة