المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٢٦
«نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» [١] و هذا في أذى النّاس، و أمّا الصبر على أذى السباع و الحيّات و العقارب و ترك دفعها ليس من التوكّل في شيء إذ لا فائدة فيه و لا يراد السعي و لا ترك السعي لعينه بل لا عانته على الدّين و ترتّب الأسباب هاهنا كترتّبها في الكسب و جلب المنافع فلا نطول بالإعادة، و كذلك في الأسباب الدّافعة عن المال فلا ينقص التوكّل بإغلاق باب البيت عند الخروج و لا بأن يعقل البعير لأنّ هذه الأسباب عرفت بسنّة اللّه تعالى إمّا قطعا و إمّا ظنّا و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للأعرابي لما أن أهمل البعير و قال: توكّلت على اللّه. فقال: «اعقلها و توكّل» [٢] و قال تعالى: «خُذُوا حِذْرَكُمْ» [٣] و قال في كيفيّة صلاة الخوف: «وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ» [٤] و قال: «وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ» [٥] و قال لموسى عليه السّلام «فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا» [٦] و التحصين باللّيل اختفاء عن أعين الأعداء و نوع تسبّب و اختفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الغار اختفاء عن أعين الأعداء دفعا للضرر. و أخذ السلاح في الصلاة فليس دافعا قطعا كقتل الحيّة و العقرب فإنّه يكون دافعا قطعا و لكن أخذ السلاح سبب مظنون و قد بيّنا أنّ المظنون كالمقطوع به، و إنّما الموهوم هو الّذي يقتضي التوكّل تركه فان قلت: فقد حكي عن جماعة أنّ الأسد وضع يديه على كتفيه و لم يتحرّك؟
فأقول: و قد حكي عن جماعة أنّهم ركبوا الأسد و سخّروه و لا ينبغي أن يعول على ذلك فإنّه و إن كان صحيحا في نفسه فلا يصلح الاقتداء بطريق التعلّم من الغير بل ذلك مقام رفيع في الكرامات و ليس ذلك شرطا في التوكّل و فيه أسرار لا تقف عليها ما لم تنته إليها.
فإن قلت: و هل من علامة أعلم بها أنّي قد وصلت إليها؟ فأقول: الواصل لا يحتاج إلى طلب العلامات و لكن من العلامات السابقة عليه أن يسخّر لك كلب
[١] النحل: ٤١ و ٤٢.
[٢] رواه الترمذي من حديث أنس.
[٣] النّساء: ٧١.
[٤] النساء: ٧٢.
[٥] الانفال: ٦٠.
[٦] الدخان: ٢٣.
المحجة