المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٢١
غلب سوء الظنّ و بطل التوكّل بالكلّيّة، بل رؤية الرزق من الأسباب الخفيّة أيضا تبطل التوكّل فقد حكي عن عابد أنّه عكف في مسجد و لم يكن له معلوم فقال له إمام المسجد: لو اكتسبت لكان أفضل لك، فلم يجبه حتّى أعاد القول ثلاثا فقال له في الرّابعة: يهوديّ في جوار المسجد قد ضمن لي كلّ يوم رغيفين فقال: إن كان صادقا في ضمانه فعكوفك في المسجد خير لك فقال: يا هذا لو لم تكن إماما تقف بين اللّه و بين العباد مع هذا النقص في التوحيد كان خيرا لك إذ فضّلت وعد يهوديّ على ضمان اللّه في الرّزق. و قال إمام مسجد لبعض المصلّين: من أين تأكل؟ فقال: يا شيخ اصبر حتّى أعيد الصلاة الّتي صلّيتها خلفك ثمّ أجيبك.
(١) أقول: قد عرفت أنّ اللّه سبحانه كما ضمن الرّزق كذلك أمر بالطلب و ملابسة الأسباب ثمّ لا يخفى ما في جواب هذين الرّجلين من الرّعونة و ادّعائهما مقاما عاليا من التوكّل و تعجّبهما أن يسأل مثلهما عن سبب رزقه ثمّ أيّ منافاة بين إمامة الصّلاة و السّؤال عن حال رجل مجهول ينادي ظاهره بالبؤس و البأس و أنّه كلّ على الناس بل ضارب على قلوبهم و بواطنهم في اللّباس أنّه من أيّ الجهات و الأسباب يرزقه اللّه.
قال أبو حامد: و ينفع في حسن الظنّ بمجيء الرّزق من لطف اللّه بواسطة الأسباب الخفيّة أن يسمع الحكايات الّتي فيها عجائب صنع اللّه في وصول الرّزق إلى صاحبه و فيها عجائب قهر اللّه في إهلاك أموال التّجار و الأغنياء و قتلهم جوعا كما روي عن حذيفة المرعشي و كان قد خدم إبراهيم بن أدهم فقيل له: ما أعجب ما رأيت منه قال: لبثنا في طريق مكّة أيّاما لم نجد طعاما، ثمّ دخلنا الكوفة فأوينا إلى مسجد خراب فنظر إليّ إبراهيم و قال: يا حذيفة أرى بك أثر الجوع، فقلت: هو كما رأى الشيخ، فقال: ائتني بدواة و قرطاس فجئت بهما فكتب بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أنت المقصود بكلّ حال و المشار إليه بكلّ معنى.
أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر
أنا جائع أنا ضائع أنا عاري
هي ستّة و أنّا الضمين لنصفها
فكن الضمين لنصفها يا باري
مدحي لغيرك لهب نار خضتها
فأجر عبيدك من دخول النار
المحجة