المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٠٧
و القدرة على كفاية العباد، ثمّ تمام العطف و العناية و الرّحمة بجملة العباد بالآحاد، و أنّه ليس وراء منتهى قدرته قدرة، و لا وراء منتهى علمه علم، و لا وراء منتهى عنايته بك و رحمته لك عناية و رحمة، اتّكل لا محالة قلبك عليه وحده و لم يلتفت إلى غيره بوجه، و لا إلى نفسه و حوله و قوّته، فإنّه لا حول و لا قوّة إلّا باللّه كما سبق في التوحيد عند ذكر الحركة و القدرة فإنّ الحول عبارة عن الحركة، و القوّة عبارة عن القدرة، فإن كنت لا تجد هذه الحالة من نفسك فسببه أحد أمرين: إمّا ضعف اليقين بإحدى هذه الخصال الأربعة، و إمّا ضعف القلب و مرضه باستيلاء الجبن عليه و انزعاجه بسبب الأوهام الغالبة عليه، فإنّ القلب قد ينزعج تبعا للوهم و طاعة له من غير نقصان في اليقين فإن من يتناول عسلا يشبه بين يديه بالعذرة ربّما نفر طبعه و تعذّر تناوله عليه، و لو كلّف العاقل أن يبيت مع الميت في قبر أو فراش أو بيت نفر طبعه و إن كان متيقّنا لكونه ميّتا و أنّه جماد في الحال و أنّ سنّة اللّه مطّردة بأنّه لا يحشره الآن و لا يحييه و إن كان قادرا عليه كما أنّها مطّردة بأن لا يقلب القلم الّذي في يده حيّة و لا يقلب السنور أسدا و إن كان قادرا عليه و مع أنّه لا يشكّ في هذا اليقين، فينفر طبعه عن مضاجعة الميّت في فراش أو المبيت معه في بيت، و لا ينفر عن سائر الجمادات و ذلك جبن في القلب و هو نوع ضعف قلّما يخلو الإنسان عن شيء منه و إن قلّ فقد يقوى فيصير مرضا حتّى يخاف أن يبيت في البيت وحده مع إغلاق الباب و إحكامه فإذن لا يتمّ التوكّل إلّا بقوّة القلب و قوّة اليقين جميعا إذ بهما يحصل سكون القلب و طمأنينته، فالسكون في القلب شيء و اليقين شيء آخر، فكم من يقين لا طمأنينة معه كما قال:
تعالى لإبراهيم «أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» [١] فالتمس أن يشاهد إحياء الميت بعينه ليثبت اليقين في خياله فإنّ النفس تتبع الخيال و تطمئنّ به و لا تطمئنّ باليقين في ابتداء أمرها إلى أن تبلغ بالآخرة إلى درجة النفس المطمئنّة، و ذلك لا يكون في البداية أصلا و كم من مطمئنّ لا يقين له كسائر أرباب الملل و المذاهب، فإنّ اليهوديّ مطمئنّ القلب إلى تهوّده، و كذا النصرانيّ و لا يقين لهما أصلا «و إنّما يتّبعون الظنّ
[١] البقرة: ٢٦٠.
المحجة