المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٠٦
الوكيل في الخصومة مثلا فنقول: من ادّعي عليه دعوى باطلة بتلبيس فوكّل للخصومة من يكشف ذلك التلبيس لم يكن متوكّلا عليه و لا واثق القلب مطمئنّ النفس بوكيله إلّا إذا اعتقد فيه أربعة أمور: منتهى الهداية، و منتهى القوّة، و منتهى الفصاحة، و منتهى الشفقة، أمّا الهداية فليعرف بها مواقع التلبيس حتّى لا يخفى عليه من غوامض الحيل شيء أصلا، و أمّا القدرة و القوّة فليستجرئ على التصريح بالحقّ فلا يداهن و لا يخاف و لا يستحيي و لا يجبن فإنّه ربّما يطّلع على وجه تلبيس خصمه فيمنعه الخوف أو الجبن أو الحياء أو صارف آخر من الصوارف المضعفة للقلب عن التصريح به، و أمّا الفصاحة فهي أيضا من القدرة إلّا أنّها قدرة في اللّسان على الإفصاح عن كلّ ما استجرأ القلب عليه و أشار إليه، فلا كلّ عالم بمواقع التلبيس قادر بذلاقة لسانه على حلّ عقدته، و أمّا منتهى الشفقة فليكون باعثا له على بذل كلّ ما يقدر عليه من المجهود في حقّه فإنّ قدرته لا تغني دون العناية به إذا كان لا يهمّه أمره و لا يبالي به ظفر به خصمه أو لم يظفر، هلك به حقّه أ و لم يهلك، فإن كان شاكّا في هذه الأمور الأربعة أو في واحدة منها أو جوّز أن يكون خصمه أكمل في هذه الأربعة منه لم تطمئنّ نفسه إلى وكيله بل بقي منزعج القلب مستغرق الهمّ بالحيلة و التدبير ليدفع ما يحذره من قصور وكيله و سطوة خصمه و يكون تفاوت أحواله في شدّة الثقة و الطمأنينة بحسب تفاوت قوّة اعتقاده لهذه الخصال فيه و الاعتقادات و الظنون في القوّة و الضعف تتفاوت تفاوتا لا ينحصر فلا جرم تتفاوت أحوال المتوكّلين في قوّة الطمأنينة و الثقة تفاوتا لا ينحصر إلى أن ينتهي إلى اليقين الّذي لا ضعف فيه كما لو كان الوكيل والد الموكّل و هو الّذي يسعى لجمع الحلال و الحرام من أجله فإنّه يحصل له يقين بمنتهى الشفقة و العناية فتصير خصلة واحدة من الخصال الأربعة قطعيّة و كذلك سائر الخصال يتصوّر أن يحصل القطع به و ذلك بطول الممارسة و التجربة و تواتر الأخبار بأنّه أفصح الناس لسانا و أقواهم بيانا و أقدرهم على نصرة الحقّ بل على تصوير الحقّ بالباطل و الباطل بالحقّ، فإذا عرفت التوكّل في هذا المثال فقس التوكّل على اللّه تعالى فإن ثبت في نفسك بكشف أو باعتقاد جازم أنّه لا فاعل إلّا اللّه كما سبق و اعتقدت مع ذلك تمام العلم
المحجة