المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٠٤
يصدّق تصديقا يقينيّا لا ضعف فيه، و لا ريب أنّ اللّه تعالى لو خلق الخلائق كلّهم على عقل أعقلهم و علم أعلمهم، و خلق لهم من العلم ما تحتمله نفوسهم، و أفاضل عليهم من الحكمة ما لا منتهى لوصفها ثمّ زاد مثل عدد جميعهم علما و حكمة و عقلا ثمّ كشف لهم عن عواقب الأمور و أطلعهم على أسرار الملكوت و عرفهم دقائق اللّطف و خفايا العقوبات حتّى اطّلعوا على الخير و الشرّ و النفع و الضرّ، ثمّ أمرهم أن يدبّروا الملك و الملكوت بما أعطوا من العلوم و الحكم لما اقتضى تدبير جميعهم من التعاون و التظاهر عليه أن يزاد فيما دبّر اللّه سبحانه الخلق به في الدّنيا و الآخرة جناح بعوضة، و لا أن ينقص منها جناح بعوضة و لا أن يرفع فيها ذرّة أو يخفض منها ذرّة، و لا أن يدفع مرض أو عيب أو نقص أو فقر أو ضرّ عمّن بلي به و لا أن يزال صحّة أو جمال أو غنى أو نفع عمّن أنعم به عليه بل كلّ ما خلق اللّه تعالى من السماوات و الأرض إذا رجعوا فيها البصر و طوّلوا فيها النظر ما رأوا فيها من تفاوت و لا فطور، و كلّ ما قسم اللّه بين عباده من رزق و أجل و سرور و فرح و همّ و غمّ و عجز و قدرة و إيمان و كفر و طاعة و معصية فكلّه عدل محض لا جور فيه و حقّ صرف لا ظلم فيه، بل هو على الترتيب الواجب الحقّ على ما ينبغي و كما ينبغي و بالقدر الّذي ينبغي و ليس في الإمكان أصلا أحسن منه و لا أتمّ و لا أكمل فلو كان و ادّخره مع القدرة و لم يفعله لكان بخلا يناقض الجود و ظلما يناقض العدل، و لو لم يكن قادرا لكان عجزا يناقض الإلهيّة بل كلّ فقر و ضرّ في الدّنيا فهو نقصان من الدّنيا و زيادة في الآخرة و كلّ نقص في الآخرة بالإضافة إلى شخص فهو نعيم بالإضافة إلى غيره إذ لو لا اللّيل لما عرف النهار، و لو لا المرض لم يتنعّم الأصحّاء بالصحّة، و لو لا النار لم يعرف أهل الجنّة قدر النعمة فكما أنّ فداء أرواح الإنس بأرواح البهائم و تسليطهم على ذبحها ليس بظلم بل تقديم الكامل على الناقص عين العدل فكذلك تفخيم النعمة على سكّان الجنان بتعظيم العقوبة على أهل النيران و فداء لأهل الإيمان بأهل الكفران عين العدل و ما لم يخلق الناقص لا يعرف الكامل و لو لا خلق البهائم لما ظهرت شرف الإنس فإنّ الكمال و النقص جميعا يظهر بالإضافة فمقتضى الجود و الحكمة خلق الكامل و الناقص
المحجة