المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٠٣
تعالى فهو المحقّق الّذي عرف الحقّ و الحقيقة لأهله و من أضافه إلى غيره فهو المتجوّز المستعير في كلامه و للتجوّز وجه كما أنّ للحقيقة وجها و اسم الفاعل وضعه واضع اللّغة للمخترع، و لكن ظنّ أنّ الإنسان مخترع بقدرته فسمّاه فاعلا بحركته، و ظنّ أنّه تحقيق و توهّم أن نسبته إلى اللّه على سبيل المجاز مثل نسبة القتل إلى الأمير فإنّه مجاز بالإضافة إلى نسبته إلى الجلّاد فلمّا انكشف الحقّ لأهله عرفوا أنّ الأمر بالعكس و قالوا إن كان الفاعل قد وضعته أيّها اللّغوي للمخترع فلا فاعل إلّا اللّه فالاسم له بالحقيقة و لغيره بالمجاز أي تتجوّز به عمّا وضعه اللّغوي له. و لما جرى حقيقة المعنى على لسان بعض الأعراب قصدا و اتّفاقا صدّقه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال عليه السّلام: أصدق بيت قاله شاعر قول لبيد: «ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل» [١] أي كلّ ما لا قوام له في نفسه و إنّما قوامه بغيره فهو باعتبار نفسه باطل و إنّما حقّيته و حقيقته بغيره لا بنفسه فإذن لا حقّ بالحقيقة إلّا الحيّ القيّوم الّذي ليس كمثله شيء و هو السميع البصير فإنّه قائم بذاته و كلّ ما سواه قائم بقدرته فهو الحق و ما سواه باطل، و لذلك قال سهل: يا مسكين كان و لم تكن و يكون و لا نكون فلمّا كنت اليوم صرت تقول: أنا و أنا، كن الآن كما لم تكن فإنّه اليوم كما كان.
فإن قلت: فقد ظهر الآن أنّ الكلّ جبر فما معنى الثواب و العقاب و الغضب و الرّضا و كيف غضبه على فعل نفسه؟ فاعلم أنّ معنى ذلك قد أشرنا إليه في كتاب الشكر فلا نطول بإعادته، فهذا هو القدر الّذي رأينا الرّمز إليه من التوحيد الّذي يورث حال التوكّل و لا يتمّ هذا إلّا بالإيمان بالرّحمة و الحكمة، فإنّ التوحيد يورث النظر إلى مسبب الأسباب، و الإيمان بالرّحمة و سعتها هو الّذي يورث الثقة بمسبّب الأسباب و لا يتمّ حال التوكّل كما سيأتي إلّا بالثقة بالوكيل و طمأنينة القلب إلى حسن نظر الكفيل، و هذا أيضا باب عظيم من أبواب الإيمان و حكاية طريق المكاشفين فيه طويلة فلنذكر حاصله ليعتقده الطالب لمقام التوكّل اعتقادا قاطعا لا يستريب فيه و هو أن
[١] راجع صحيح مسلم ج ٧ ص ٤٩.
المحجة