المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٠٢
«إنّه يدخل الرّحم فيأخذ النطفة في يده ثمّ يصوّرها جسدا فيقول: يا ربّ أذكر أم انثى أ سويّ أم معوّج فيقول اللّه ما شاء و يخلق الملك» [١] و في لفظ آخر «و يصوّر الملك ثمّ ينفخ فيها الرّوح بالسعادة أو بالشقاوة» و قد قال بعض السلف: إنّ الملك الّذي يقال له الرّوح هو الّذي يولج الأرواح في الأجسام و أنّه يتنفّس بوصفه فيكون كلّ نفس من أنفاسه روحا يلج في جسم و لذلك سمّى روحا، و ما ذكره من مثل هذا الملك و صفته فهو حقّ شاهده أرباب القلوب ببصائرهم فأمّا كون الرّوح عبارة عنه فلا يمكن أن يعلم إلّا بالنقل، و الحكم به دون النقل تخمين مجرّد و كذلك ذكر اللّه تعالى في القرآن من الأدلّة و الآيات في الأرض و السماوات ثمّ قال: «أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» [٢] و قال: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» [٣] فبيّن أنّه الدّليل على نفسه و ذلك ليس بمتناقض بل طرق الاستدلال مختلفة فكم من طالب عرف اللّه بالنظر إلى الموجودات و كم من طالب عرف الموجودات باللّه كما قال بعضهم: عرفت ربّي بربّي و لو لا ربّي لما عرفت ربّي. و هو معنى قوله: «أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» و قد وصف اللّه نفسه بأنّه المحيي و المميت و فوّض الموت و الحياة إلى ملكين ففي الخبر «إنّ ملك الموت و ملك الحياة تناظرا، فقال ملك الموت: أنا أميت الأحياء و قال ملك الأحياء: أنا أحي الموتى فأوحى إليهما كونا على عملكما و ما سخّرتكما له من الصنع و إنّما أنا المميت و المحيي لا مميت و لا محيي سواي» فإذن الفعل يستعمل على وجوه مختلفة فلا تتناقض هذه المعاني إذا فهمت، و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للّذي ناوله التمرة: «خذها لو لم تأتها لأتتك» [٤] أضاف الإتيان إليه و إلى التمرة و معلوم أنّ التمرة لا تأتي على الوجه الّذي يأتي الإنسان إليها و كذلك لمّا قال التائب أتوب إلى اللّه تعالى و لا أتوب إلى محمّد فقال عليه السّلام: «عرف الحقّ لأهله» [٥] فكلّ من أضاف الكلّ إلى اللّه
[١] أخرجه البزار و ابن عدى من حديث عائشة كما في المغني.
[٢] فصلت: ٥٣.
[٣] آل عمران: ١٨.
[٤] أخرجه ابن حبان في كتاب روضة العقلاء من رواية هذيل بن شرحبيل و وصله الطبراني عن هذيل عن ابن عمر و رجاله رجال الصحيح (المغني).
[٥] أخرجه أحمد و الطبراني من حديث الأسود بن السريع بسند ضعيف.
المحجة