المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٠٠
وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» [١] فكلّ ما بين السماء و الأرض حادث على ترتيب واجب و حقّ لازم و لا يتصوّر أن يكون إلّا كما حدث على الترتيب الّذي وجد فما تأخّر متأخّر إلّا بانتظار شرطه و المشروط قبل الشرط محال و المحال لا يوصف بكونه مقدورا، فلا يتأخّر العلم عن النطفة إلّا لفقد شرط الحياة، و لا تتأخّر عنها الإرادة بعد الحياة[١]إلّا لفقد شرطها و هو العلم، و كلّ ذلك على منهاج الواجب و ترتيب الحقّ ليس في شيء من ذلك لعب و اتّفاق بل كلّ ذلك بحكمة و تقدير، و هذا قرع باب آخر لعالم آخر من عوالم المكاشفات فلنترك جميع ذلك فإنّ مقصودنا التنبيه على طريق التوحيد في الفعل فإنّ الفاعل بالحقيقة واحد فهو المخوف و المرجوّ عليه التوكّل و الاعتماد، و لم نقدر على أن نذكر من بحار التوحيد إلّا قطرة من بحر المقام الثالث من مقامات التوحيد و استيفاء ذلك في عمر نوح محال كاستنقاء ماء البحر بأخذ القطرات عنه و كلّ ذلك ينطوي تحت قولك لا إله إلّا اللّه، و ما أخفّ مئونته على اللّسان، و ما أسهل اعتقاد مفهوم لفظه على القلب، و ما أعزّ حقيقته و لبّه عند العلماء الرّاسخين فكيف عند غيرهم.
فإن قلت: كيف الجمع بين التّوحيد و الشرع و معنى التوحيد أن لا فاعل إلّا اللّه و معنى الشرع إثبات الأفعال للعباد فإن كان العبد فاعلا فكيف يكون اللّه فاعلا و إن كان اللّه فاعلا فكيف يكون العبد فاعلا و مفعول بين فاعلين غير مفهوم؟
فأقول: نعم ذلك غير مفهوم إذا كان للفاعل معنى واحد و إن كان له معنيان و يكون الاسم مجملا مردّدا بينهما لم يتناقض كما يقال: قتل الأمير فلانا و يقال: قتله الجلّاد و لكنّ الأمير قاتل بمعنى و الجلّاد بمعنى آخر فكذلك العبد فاعل بمعنى و اللّه تعالى فاعل بمعنى آخر فمعنى كون اللّه فاعلا أنّه المخترع الموجد و معنى كون العبد فاعلا أنّه المحلّ الّذي خلق فيه القدرة بعد أن خلق فيه الإرادة بعد أن خلق اللّه فيه العلم فارتبطت القدرة و الإرادة و الحركة بالقدرة ارتباط الشرط و ارتبط بقدرة اللّه ارتباط
[١] في الاحياء «بعد العلم».
[١] الدخان: ٣٨ و ٣٩.
المحجة البيضاء جلد٧ ٤٠١ (بيان حقيقة التوحيد الذي هو أصل التوكل) ..... ص : ٣٨١
المحجة