المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٩٦
مشاهدتهم و تجربتهم فرأوا من موسى عليه السّلام ما جاوز حدود السحر انكشفت لهم حقيقة الأمور فلم يكترثوا بقول فرعون «فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ» بل «قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا» [١] فإنّ البيان و الكشف يمنع التغيير و أمّا أصحاب السامريّ لما كان إيمانهم عن النظر إلى ظاهر الثعبان فلمّا نظروا إلى عجل السامري و سمعوا خواره تغيّروا و سمعوا قوله «هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى فَنَسِيَ» [٢] أنّه لا يرجع إليهم قولا و لا يملك لهم ضرّا و لا نفعا فكلّ من آمن بالنظر إلى ثعبان فيكفر لا محالة إذا نظر إلى عجل لأنّ كليهما من عالم الشهادة و الاختلاف و التضادّ في عالم الشهادة كثير، و أمّا عالم الملكوت فهو من عند اللّه تعالى فلذلك لا تجد فيه اختلافا و تناقضا أصلا.
فإن قلت: ما ذكرته من التوحيد ظاهر مهما ثبت أنّ الوسائط و الأسباب مسخّرات و كلّ ذلك ظاهر إلّا في حركات الإنسان فإنّه يتحرّك إن شاء و يسكن إن شاء فكيف يكون مسخّرا؟
فاعلم أنّه لو كان مع هذا يشاء إن شاء و لا يشاء إن لم يشأ لكان هذا مزلّة القدم و موقع الغلط و لكن علمت أنّه يفعل ما يشاء إذا شاء أن يشاء أم لم يشأ فليست المشيّة إليه، إذ لو كانت إليه لافتقرت إلى مشيّة أخرى و يتسلسل إلى غير نهاية، و إذا لم تكن المشيّة إليه و وجدت المشيّة الّتي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة و لم يكن لها سبيل إلى المخالفة، فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة و القدرة متحرّكة ضرورة عند انجزام المشيّة و المشيّة تحدث ضرورة في القلب فهذه ضرورات مرتّبة بعضها على بعض، و ليس للعبد أن يدفع وجود المشيّة و لا انصراف القدرة إلى المقدور بعدها و لا وجود الحركة بعد بعث المشيّة للقدرة فهو مضطرّ في الجميع فإن قلت: فهذا جبر محض و الجبر يناقض الاختيار و أنت لا تنكر الاختيار فكيف يكون مجبورا مختارا؟
[١] طه: ٧١ و ٧٣.
[٢] طه: ٨٨.
المحجة