المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٩٢
صورته» [١] الصورة الظاهرة المدركة بالبصر فكن مشبهيّا مطلقا كما يقال كن يهوديّا صرفا و إلّا فلا تلعب بالتوراة، و إن فهمت منه الصورة الباطنة الّتي تدرك بالبصائر لا بالأبصار فكن منزّها صرفا و مقدّسا فحلا و اطو الطريق فإنّك بالواد المقدّس طوى، و استمع بسرّ قلبك لما يوحى فلعلّك تجد على النار هدى و لعلّك من سرادقات العزّ تنادي بما نودي به موسى إنّي أنا ربّك الأعلى، فلمّا سمع السالك من العلم ذلك استشعر قصور نفسه و أنّه مخنّث بين التشبيه و التنزيه فاشتعل قلبه نارا من حدّة غضبه على نفسه لما رآها بعين النقص و لقد كاد زينة الّذي في مشكاة قلبه يكاد يضيء و لو لم تمسسه نار، فلمّا نفح فيه العلم بحدّته اشتعل زينة فأصبح نورا على نور، فقال له العلم:
اغتنم الآن هذه الفرصة و افتح بصرك فلعلّك تجد على النار هدى، ففتح بصره فانكشف له القلم الإلهيّ و إذا هو كما وصفه العلم في التنزيه و ما هو من خشب و لا قصب و لا رأس و لا ذنب و هو يكتب على الدّوام في قلوب البشر كلّهم أصناف العلوم و كان له في كلّ قلب رأس و لا رأس له فقضى منه العجب و قال: نعم الرّفيق العلم جزاه اللّه عنّي خيرا إذ الآن ظهر لي صدق إنبائه عن أوصاف القلم فإنّي أراه قلما لا كالأقلام، فعند هذا ودّع العلم و شكره و قال: قد طال مقامي عندك و مراودتي لك و أنا عازم على أن أسافر إلى حضرة القلم فأساله عن شأنه، و سافر إليه و قال: أيّها القلم مالك تخطّ على الدّوام في القلوب من العلوم ما تبعث به الإرادات إلى اشخاص القدرة و صرفها إلى المقدورات فقال: أ فنسيت ما رأيت في عالم الملك و الشهادة و سمعته من جواب القلم إذ سألته فأحالك على اليد قال: لم أنس ذلك، قال: فجوابي مثل جوابه، قال:
كيف و أنت لا تشبهه قال القلم: أمّا سمعت «إنّ اللّه تعالى خلق آدم على صورته» قال: نعم؟ قال: فسل عن شأني الملقّب بيمين الملك فإنّي في قبضته هو الّذي يردّدني و أنا مقهور مسخّر فلا فرق بين القلم الإلهيّ و قلم الآدمي في معنى التسخير و إنّما الفرق في ظاهر الصورة فقال: و من يمين الملك قال: أما سمعت قوله تعالى «وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ» [٢] قال: نعم قال فالأقلام أيضا في قبضته هو الّذي يردّدها فسافر
[١] تقدم سابقا.
[٢] الزمر: ٦٧.
المحجة