المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٩٠
جوابه، و قال: قد طال تعبي في هذا الطريق و كثرت منازلي و لا يزال يحيلني من طمعت في معرفة هذا الأمر منه على غيره، و لكنّي كنت أطيب نفسا بكثرة الترداد لما كنت أسمع كلاما مقبولا في الفؤاد و عذرا ظاهرا في دفع السؤال، فأمّا قولك فإنّي خطّ و نقش و إنّما خطني قلم فلست أفهمه فإنّي لا أعلم قلما إلّا من القصب و لا لوحا إلّا من الحديد أو الخشب و لا خطّا إلّا بالحبر و لا سراجا إلّا من النار، و إنّي أسمع في هذا المنزل حديث اللّوح و السراج و الخطّ و القلم و لا أشاهد من ذلك شيئا أسمع جعجعة و لا أرى طحنا، فقال له العلم: صدقت فيما قلت فبضاعتك مزجاة و زادك قليل و مركبك ضعيف و المهالك في الطريق الّذي توجّهت إليه كثيرة فالصواب لك أن تنصرف و تدع ما أنت فيه فما هذا بعشّك[١]فأدرج عنه فكلّ ميسّر لما خلق له. و إن كنت راغبا في استتمام الطريق إلى المقصود فألق سمعك و أنت شهيد:
و اعلم أنّ العوالم في طريقك هذا ثلاثة عالم الملك و الشهادة أوّلها و لقد كان الكاغذ و الحبر و القلم و اليد من هذا العالم و قد جاوزت تلك المنازل على سهولة، و الثاني عالم الملكوت و هو ورائي فإذا جاوزتني انتهيت إلى منازله و فيها المهامه[٢]الفسيحة و الجبال الشاهقة و البحار المغرقة و لا أدري كيف تسلم فيها، و الثالث عالم الجبروت و هو بين عالم الملك و عالم الملكوت و لقد قطعت منها ثلاثة منازل إذ في أوائلها منزل القدرة و الإرادة و العلم و هو واسطة بين عالم الملك و الملكوت لأنّ عالم الملك أسهل منه طريقا و عالم الملكوت أوعر منه منهجا و إنّما عالم الجبروت بين عالم الملك و عالم الملكوت يشبه السفينة الّتي بين الأرض و الماء فلا هي في حدّ اضطراب الماء و لا هو في حدّ سكون الأرض و ثباته و كلّ من يمشي على الأرض يمشي في عالم الملك و الشهادة فان جاوزت قوّته إلى أن يقوى على ركوب السفينة كان كمن يمشي في عالم الجبروت فإن انتهى إلى أن يمشي على الماء من غير سفينة كان كمن يمشي في عالم الملكوت من غير تكعكع[٣] فإن كنت
[١] العش- بضم العين و تشديد الشين المعجمة- موضع الطائر.
[٢] المهمه: المفازة البعيدة.
[٣] تكعكع: احتبس عن وجهه أو جبن.
المحجة