المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٨٧
قد أنطق اللّه في حقّهم كلّ ذرّة في الأرض و السماوات بقدرته الّتي بها أنطق كلّ شيء حتّى سمعوا تقديسها و تسبيحها للَّه و شهادتها على أنفسها بالعجز بلسان ذلق يتكلّم بلا حرف و لا صوت لا يسمعه الّذين هم عن السمع معزولون، و لست أعني به السمع الظاهر الّذي لا يجاوز الأصوات فإنّ الحمار شريك فيه و لا قدر لما شارك فيه البهائم و إنّما أريد به سمعا يدرك به كلام ليس بحرف و لا صوت و لا هو عربيّ و لا عجميّ فإن قلت:
فهذه أعجوبة لا يقبلها العقل فصف لي كيفيّة نطقها و أنّها كيف نطقت و بما ذا نطقت و كيف سبّحت و قدّست و كيف شهدت على نفسها بالعجز؟ فاعلم أنّ لكلّ ذرّة في السماوات و الأرض مع أرباب القلوب مناجاة في السرّ و ذلك ممّا لا ينحصر و لا يتناهى فإنّها كلمات تستمدّ من بحر كلام اللّه الّذي لا نهاية له «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» ثمّ إنّها تتناجى بأسرار الملك و الملكوت، و إفشاء السرّ لؤم بل صدور الأحرار قبور الأسرار، و هل رأيت قطّ أمينا على أسرار الملك قد نوجي بخفاياه فنادى بسرّه على ملأ من الخلق و لو جاز إفشاء كلّ سرّ لنا لما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا» [١] بل كان يذكر ذلك لهم حتّى يبكوا و لا يضحكوا، و لما نهى عن إفشاء سرّ القدر [٢] و لما خصّ حذيفة- رضي اللّه عنه- ببعض الأسرار [٣] فإذن عن حكايات مناجاة ذرّات الملك و الملكوت لقلوب أرباب المشاهدات مانعان: أحدهما استحالة إفشاء السرّ، و الثاني خروج كلماتها عن الحصر و النهاية، و لكنّا في المثال الّذي كنّا فيه و هو حركة القلم نحكي من مناجاتها قدرا يسيرا يفهم به على الإجمال كيفيّة ابتناء التوكّل عليه و نردّ كلماتها إلى الحروف و الأصوات، و إن لم تكن هي حروفا و أصواتا و لكن هذه ضرورة التفهيم، فنقول: قال بعض الناظرين عن مشكاة نور اللّه تعالى للكاغذ و قد رآه اسودّ وجهه بالحبر: ما بال وجهك كان أبيض مشرقا
[١] تقدم غير مرة.
[٢] أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر كما في الجامع الصغير.
[٣] راجع صحيح مسلم ج ٨ ص ١٧٣ كتاب الفتن و مسند أحمد ج ٥ ص ٣٨٦.
المحجة