المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٧١
كفّارها فما أنكرت يا ثوري فو اللّه إنّني لمع ما ترى ما أتى عليّ مذ عقلت صباح و لا مساء و للَّه في مالي حقّ أمرني أن أضعه موضعا إلّا وضعته، قال: فأتاه قوم ممّن يظهرون الزهد و يدعون الناس أن يكونوا معهم على مثل الّذي هم عليه من التقشّف فقالوا له: إنّ صاحبنا حصر عن كلامك[١]و لم تحضره حججه فقال لهم: فهاتوا حججكم فقالوا له: إنّ حججنا من كتاب اللّه، فقال لهم: فأدلوا بها[٢]فإنّها أحقّ ما اتّبع و عمل به، فقالوا يقول اللّه تبارك و تعالى مخبرا عن قوم من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»[٣]فمدح فعلهم، و قال في موضع آخر «وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً» [١] فنحن نكتفي بهذا، فقال رجل من الجلساء: إنّا رأيناكم تزهدون في الأطعمة الطيّبة و مع ذلك تأمرون النّاس بالخروج من أموالهم حتّى تمتّعوا أنتم منها؟! فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام: دعوا عنكم ما لا ينتفعون به أخبروني أيّها النفر أ لكم علم بناسخ القرآن من منسوخه و محكمه من متشابهه الّذي في مثله ضلّ من ضلّ و هلك من هلك من هذه الامّة فقالوا له: أو بعضه فأمّا كلّه فلا، فقال لهم: فمن هاهنا أتيتم[٤]و كذلك أحاديث رسول اللّه[٥]فأمّا ما ذكرتم من إخبار اللّه عزّ و جلّ إيّانا في كتابه عن القوم الّذين أخبر عنهم بحسن فعالهم فقد كان مباحا جائزا[٦]و لم يكونوا نهوا عنه و ثوابهم منه على اللّه عزّ و جلّ و ذلك أنّ اللّه جلّ و تقدّس أمر بخلاف ما عملوا به فصار أمره
[١] القشف- محركة- قذر الجلد و رثاثة الهيئة و سوء الحال و ترك النظافة و الترفه. و الحصرة العىّ في المنطق و العجز عن الكلام.
[٢] الادلاء بالشيء: إحضاره أي أحضروها.
[٣] الحشر: ١٠. و الخصاصة: الفقر و الحاجة و الشح: البخل.
[٤] «أتيتم» بالبناء للمفعول أي دخل عليكم البلاء و أصابكم ما أصابكم.
[٥] اى فيها أيضا ناسخ و منسوخ و محكم و متشابه و أنتم لا تعرفونها.
[٦] هذا لا ينافي ما ذكره عليه السّلام في جواب الثوري فإنه علة شرعية الحكم أولا و نسخه ثانيا.
[١] الدهر: ٨.
المحجة